القاب الرّسول و عترته

القاب الرّسول و عترته - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٧٢

رجلا وانقشع السّحاب، فقال أبوالحسن: يا يحيى بن هرثمة هكذا يجمع اللّه الناس هاهنا ويميتهم، فقبّلت رجله واستبصرت، فدفنّا الموتى وخرجنا، فبينا نسير بعد ذلك يوما إلى قرب الزوال وأبوالحسن لايشير بالنزول، فقلت: يابن رسول اللّه، كلّت الدوابّ والحمولات، وقد حرّ اليوم ولاماء، فقال: تستريحون إن شاء اللّه تحت ظلّ أغصان شجرتين، وتشربون من أبرد ماء، وكنت عارفا بتلك الطريق أن لاماء فيها ولاشجر، فسرنا إلى أن بدا لنا شجرتان كأعظم ما يكون من الأشجار، وإذا ماء جار تحتها، فتعجّبنا ونزلنا فشربنا وسقينا الدوابّ والمراحل وأرحلنا واسترحنا، وكنت أنظر إلى الماء وإلى الشّجرتين، ثمّ أنظر إلى ابن رسول اللّه، فيتبسّم في وجهي، فأخذت سيفي وخرجت إلى خلف الشجرتين ودفنته في الأرض وأعلمت عليه بحجارة وضعتها عليه، فلمّا ارتحلنا وخرجنا غلوة أو غلوتين، انصرفت إلى ذلك الموضع فواللّه ما وجدت أثرا للشجرتين، وكأن لاماء هناك قطّ، وأخذت السيف وأسرعت حتّى لحقت بالخيل، فصرت ثابت القدم في التشيّع. {-١-}


[١] «… روي عن يحيي بن هرثمة قال: دعاني المتوكل فقال: اختر ثلاثمائة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة، وأحضروا عليّ بن محمّد بن الرضا عليه السلام إلى عندي معظمّا مكرّما مبجّلا، قال: ففعلت وخرجنا، وكان في أصحابي قائد من الشراة وكان لي كاتب يتشيّع وأنا على مذهب الحشويّة، وكان ذلك الشاري يناظر الكاتب وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق، فلما انتصفنا المسافة، قال الشاري للكاتب: أليس من قول صاحبكم ـ علي بن أبي طالب عليه السلام ـ: أنّه ليس من الأرض بقعة إلاّوهي قبر أو ستكون قبرا، فانظر إلى هذه البرية، أين من يموت فيها حتى يملأ اللّه قبورا كما تزعمون؟ فقلت للكاتب:هذا من قولكم؟ قال نعم. قلت: صدق أين من يموت في هذه البرّية العظيمة حتى تمتلئ قبورا.وتضاحكنا ساعة من كلام الشيعيّ، إذ انخذل الكاتب في أيدينا «قال: ثم سرنا حتى دخلنا المدينة فقصدت باب علي بن محمّد بن عليّ بن موسى عليه السلام فدخلت عليه، فقرأ الكتاب من المتوكّل، فقال: انزلوا وليس من جهتي خلاف، قال: فلما صرت إليه من الغدو كنا في تمّوز أشدّ ما يكون من الحرّ،فإذا بين يديه خياط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين له ولغلمانه، ثم قال للخياط: اجمع عليها جماعة من الخياطين واعمد على الفراغ منها يومك هذا، وبكّر بها إليّ في مثل هذا الوقت، ثمّ نظر إليّ وقال: يا يحيى اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم، واعمد على الرحيل غدا في هذا الوقت. قال: فخرجت من عنده وأنا متعجّب من الخفاتين وأقول في نفسي: نحن في تمّوز وحرّ الحجاز، وبيننا وبين العراق مسير عشرين يوما فما يصنع بهذه الثياب؟ ثم قلت في نفسي: هذا رجل لم يسافر، وهو يقدر أن كلّ سفر يحتاج فيه إلى مثل هذه الثياب، وأتعجب من الرافضة حيث يقولون بإمامته مع فهمه هذا! وعدت إليه من الغد في ذلك الوقت، فإذا الثياب قد أ حضرت، فقال لغلمانه: ارحلوا وخذوا لنا معكم من اللبابيد والبرانس، ثم قال: ارحل يا يحيى. فقلت في نفسي: هذا أعجب من الأوّل، أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتّي أخذ معه اللبابيد والبرانس؟ وأنا أستصغر فهمه! حتى إذا وصلنا إلى موضع المناظرة في القبور فارتفعت سحابة واسودّت وأرعدت وأبرقت حتى اذا صارت على رؤسنا ارسلت علينا بردا مثل الصخور، وقد شدّ على نفسه وعلى غلمانه الخفاتين ولبسوا اللبابيد والبرانس، فقال لغلمانه: ادفعوا إلى يحيى لبّادة وإلى الكاتب برنسا، وتجمعنا والبرد يأخذنا حتى قتل من أصحابي ثمانين رجلا وزالت السحابة، ورجع الحرّ كما كان فقال لي: يا يحيى ومن بقي من أصحابك ليدفن من قدمات من أصحابك؟ ثم قال عليه السلام: هكذا يملأ اللّه هذا البرّ قبورا! قال يحيى: فرميت نفسي عن دابّتي وعدوت إليه وقبلّت ركابه ورجله وقلت: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأن محمّدا عبده ورسوله، وأنكم خلفاء اللّه في أرضه، وقد كنت كافرا وإنّي الآن قد أسلمت على يديك يا مولاي، قال يحيى: فتشيّعت ولزمت خدمته إلى أن مضى». إثبات الهداة، ج٦، ص٢٣٧ـ٢٤٠ نقلا عن كتاب الخرايج والجرايح. «روى محمّد البصريّ عن ابن العباس خال شبل كاتب إبراهيم بن محمّد قال: كنّا أجرينا ذكر أبي الحسن عليه السلام فقال: يا أبا محمّد لم أكن في شيء من هذا الأمر وكنت أعيب على أخي وعلى أهل هذا القول عيبا شديدا بالذمّ والشّتم، إلى أن كنت في وفد الّذين أوفد المتوكل إلى المدينة في إحضار أبي الحسن عليه السلام، فخرجنا من المدينة وجزنا في بعض الطريق طوينا المنزل، وكان يوما صائفا شديد الحرّ، فسألناه أن ينزل فقال: لا، فخرجنا ولم نطعم ولم نشرب، فلمّا اشتد الحرّ والجوع والعطش ونحن إذ ذاك في أرض ملساء لانرى بها شيئا من الظلّ والماء فجعلنا نشخص بأبصارنا نحوه، قال: ومالكم، أظنّكم جياعا وقد عطشتم؟ فقلنا: إي واللّه ياسيّدنا قد عيينا، قال: عرّسوا وكلوا واشربوا، فتعجبت من قوله ونحن في صحراء ملساء لانرى فيها شيئا نستريح إليه ولاماء ولاظلا، فقال: عرّسوا، فأبتدرت إلى القطار لانيخ، ثمّ التفت فإذا أنا بشجرتين عظيمتين يستظل تحتهما عالم من الناس، وكنت أعرف موضعهما أرض براح قفراء، وإذا أنا بعين تسيح على وجه الأرض أعذب ماء وأبرده، فنزلنا وأكلنا وشربنا واسترحنا، وإنّ فينا من سلك تلك الطريق مرارا، فوقع في قلبي ذلك الوقت أعاجيب، وجعلت أحدّ النظر إليه وأتأمّله طويلا، فتبسّم وطوى وجهه عنّي، فقلت في نفسي: واللّه لاعرضنّ هذا كيف هو؟ فأتيت من وراء الشجرة ودفنت سيفي، وجعلت عليه حجرين وتغوّطت في ذلك الموضع وتهيأت للصلاة، فقال أبوالحسن عليه السلام: استرحتم؟ قلنا: نعم، قال: فارتحلوا على اسم اللّه، فارتحلنا. فلما أن سرنا ساعة رجعت على الأثر فأتيت الموضع ووجدت الأثر والسيف كما وضعته والعلامة، فكأن اللّه لم يخلق ثمّ شجرة ولاماء ولاظلا ولابللا، فتعجّبت ورفعت يديّ إلى السّماء وسألت اللّه تعالى الثبات على المحبّة له والإيمان به وأخذت الأثر فلحقت القوم، فالتفت إليّ أبوالحسن عليه السلام فقال: يا أبا العباس فعلتها؟ قلت: نعم يا سيّديّ، لقد كانت شاكّا فاصبحت وأنا عند نفسي من أغنى الناس بك في الدّنيا والاخرة، فقال: هو كذلك هم معدودون معلومون لايزيد رجل ولاينقص رجل». اثبات الهداة، ج٦، ص٢٥٠ و٢٥١[٢] اسبكه[٣] عن عليّ بن محمّد المقعد، عن يحيى بن زكريّا الخزاعي، عن أبي هاشم قال: خرجت مع أبي الحسن عليه السلام إلى ظاهر سرّ من رأى نتلقّى بعض الطالبيّين فأبطأ حرسه فطرح لأبي الحسن غاشية السرج، فجلس عليها، ونزلت عن دابّتي وجلست بين يديه وهو يحدثني، فشكوى إليه قصور يدي، فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا فناولني منه أكفّا وقال: اتّسع بهذا يا أبا هاشم وأكتم ما رأيت، فخبأته معي فرجعنا فأبصرته فإذا هو تيقّد كالنيران ذهبا أحمر، فدعوت صائغا إلى منزلي وقلت له:اسبك لي هذا، فسبكه وقال: ما رأيت ذهبا أجود منه، وهو كهيئة الرمل، فمن أين لك هذا فما رأيت أعجب منه؟ فقلت: هذا شيء عندنا قديما تدّخره لنا عجائزنا على طول الأيّام». إثبات الهداة، ج٦، ص٢٣٢ و٢٣٣[٤] إثبات الهداة، ج٦،ص٢٣١و٢٣٢، فصل٦،حديث٢٩و٣٠[٥] إثبات الهداة، ج٦،ص٢٣٦و٢٣٧، نقلا عن كتاب الخرايج والجرايح.[٦] إثبات الهداة، ج٦، ص٢٥٢و٢٥٣