مجاز القرآن خصائصه الفنيّة وبلاغته العربيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٣٠ - ٣ ـ قرينة المجاز العقلي في القرآن
( ثمّ استوى الى السّماء )[١].
( ثمّ استوى على العرش )[٢].
مجاز عقلي تقتضيه ضرورة أن الله سبحانه وتعالى ليس قالبا حسيا ، ولا مثالا مرئيا ، ولا جسما متحركا يعرض للتنقل كأجسامنا ، فاستواؤه هنا سيطرته وقدرته وإحاطته حتى لا يفوته شيء ، كما يستوي صاحب الملك على أطراف مملكته ، إذ ليس لمعنى الأستواء بالنسبة اليه تعالى تطبيق خارجي ، أو مدرك وجودي ينطبق على ذاته القدسية ، كانطباقه على إستوائنا وسيطرتنا من إحكام للأمر ، أو ضبط للشؤون ، بأسباب وحراس أو قوى وأجهزة مادية ، وإنما ذلك بالنسبة للباري عزّ وجلّ فوق مدرك عقولنا إذ هو حقيقة تعبيرية عن الإحاطة المطلقة التي لا تفوتها الجزئيات غير المرئية ، وتنظير للاستقطاب التام الذي لا يحتاج معه الى مساعد أو معين أو موقت ، وتمثيل لاستيلائه على العوالم الكونية ، والمكنونات العلوية والسفلية دون النظر في الوسائل والأسباب والمعدات ، فيكفي أنه استولى على هذه الشؤون بهذه الشمولية في سيطرة فعلية أفادها معنى الاستواء بالنسبة اليه ، وهذا لا يمانع أن يكون لفظ العرش في الآيتين قد جاء على طريقة المجاز اللغوي في نقله عن الأصل ، للدلالة على الملك المطلق غير المحدود مراعاة لإدراكنا المحدود في تصور العرش حينما يجلس عليه ذو الملك وهو في أطراف دولته ، أو جالسا على سرير مملكته ، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى : ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفضهما ... )[٣] وذلك بلحاظ لفظ « الكرسي » فالعرب في سنن كلامها أن تعبر عن مظاهر الحكم ، وملامح الملك ، وتوليه الأمور بـ « الكرسي » وإن كان صاحبهما جالسا على الأرض ، أو ليس لديه كرسي أصلا ، فهو مستول على سرير الملك وكرسي الحكم ، وهذا جار عند
[١] البقرة : ٢٩.
[٢] الأعراف : ٥٤.
[٣] البقرة : ٢٥٥.