مجاز القرآن خصائصه الفنيّة وبلاغته العربيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٣٧ - ٣ ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل
والعقلي لا يدرك الا في التركيب ، ووراء كل منهما معان غير ما يفهم من تكوين الجملة النحوي في الإيحاءات النفسية التي يستند إليها التصوير القرآني [١].
وهذا التقسيم لم يكن واضحا بدقته هذه قبل عبد القاهر بل كان المجاز بجملته يشمل صور البيان بعامة ، وقد يتخصص بالاستعارة والمجاز كما هي الحال عند الشريف الرضي كما أسلفنا.
وقد استنار بهذه التسمية كل من فخر الدين الرازي ( ت : ٦٠٦ هـ ) وأبي يعقوب السكاكي ( ت : ٦٢٦ هـ ) بل هما قد نسخا رأي عبد القاهر نسخا حرفيا.
فالرازي يقسم المجاز الى قسمين : مجاز في الإثبات ، ومجاز في المثبت ، وهما العقلي واللغوي ، وعنده أن المجاز في الإثبات إنما يقع في الجملة ، وأن المجاز في المثبت إنما يقع في المفرد[٢].
والسكاكي يقسم المجاز الى قسمين : لغوي وعقلي ، واللغوي الى قسمين : خال من الفائدة ، ومتضمن لها ويسميها الاستعارة. إلا أنه يغض النظر عن المجاز العقلي ، ويؤكد على اللغوي ، وكأنه يميل الى عدّه أساس المجاز [٣].
وفي « دلائل الإعجاز » نجد عبد القاهر يحقق القول الدقيق في المجال الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند غيره ممّن تبعه فيه حتى في التسمية ، وهو برؤيته الثاقبة يلمس أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل في أحكام تجريها على اللفظ وهو متروك على ظاهره[٤].
والقول عنده في التفريق بين المجاز والاستعارة ، أن المجاز هو
[١] ظ : فتحي أحمد عامر ، فكرة النظم بين وجوه الإعجاز : ١٢٣.
[٢] ظ : الرازي ، نهاية الإيجاز : ٤٨.
[٣] ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : ١٩٤ ـ ١٩٨.
[٤] ظ : عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : ٢٩٣ وما بعدها ، تحقيق : محمود شاكر.