مجاز القرآن خصائصه الفنيّة وبلاغته العربيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٠٤ - ٣ ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن
وإذا كان الوحي فعلا متميزا ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى ، الى متلق ممتثل ، فتعلقه في الأرض إذن تعلّق مجازي ، إذ طريق الوحي هو التلقي ، والأرض غير قابلة للتلقي. لهذا فالإيحاء في الآية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال :
« أوحى لها بمعنى أوحى إليها ، وهو مجاز كقوله تعالى : ( أن نقول له كن فيكون ) وكقول الشاعر : أوحى لها القرار فاستقرت [١].
وأصل الوحي هو : الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به [٢].
وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء [٣]. ومؤدى ذلك واحد ، إذ الإشارة السريعة إعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين [٤].
ولهذا فقد كان الراغب دقيقا حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه اليه بين القابل له والمستعصي عليه ، إلا أن يكون ذلك تسخيرا من قبل الله تعالى ، فقال : « فإن كان الموحى إليه حيا فهو إلهام ، وإن كان جمادا فهو تسخير » [٥].
لهذا فقد ذهب الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) الى أن أوحى لها : أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها .. من جهة تخفى [٦].
والسياق إنما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق ما لها؟ فاقتضى أن يأتيه
[١] ظ : الزمخشري ، الكشاف : ٤/٢٧٦.
[٢] قارن بين ذلك في : الراغب ، المفردات : ٥١٥. الطبرسي ، مجمع البيان : ٥/٣٧.
[٣] ظ : ابن منظور ، لسان العرب ٢٠/٢٥٨.
[٤] ظ : المؤلف ، ظاهرة الوحي والمستشرقون. « بحث » في كتاب : ( المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الإسلامي ) وقائع المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه : مطبعة القضاء ، النجف ، ١٩٨٦ م.
[٥] الراغب ، المفردات : ٥١٥.
[٦] ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : ٥/٥٢٦.