الوصية الممنوعة - الزبيدي، علي صادق - الصفحة ٥٧ - وقفة مع المعذِّرين لعمر بن الخطَّاب
وقالوا : وربَّما خشي أن يكتب النبيُّ أُموراً يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها.
نقول : كيف يخشىٰ من ذلك مع قول النبيِّ : « لا تضلُّوا بعده » ، أتراهم يرون عمر أعرف منه بالعواقب وأحوط منه وأشفق علىٰ أُمَّته ؟ كلاّ .. وألف كلاّ ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ) [١].
وقالوا : لعلَّ عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، لكونه في حال المرض ، فيصير سبباً للفتنة.
نقول : هذا محال مع وجود قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تضلُّوا » ، لأنَّه نصَّ بأنَّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟! وإذا كان خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، فلماذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض ومانع ، وقال : هجر ؟
وقالوا في تفسير قوله : ( حسبنا كتاب الله ) ، إنَّه تعالىٰ قال : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) [٢] وقال عَزَّ من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) [٣].
نقول : هذا غير صحيح ، لأنَّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال لما وقع في هذه الأُمَّة من الضلال والتفرُّق ما لا يرجىٰ زواله.
[١] سورة الكهف : ١٨ / ٥.
[٢] سورة الأنعام : ٦ / ٣٨.
[٣] سورة المائدة : ٥ / ٣.