كمال الدين و تمام النعمة

كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ١٤

منشوراتهم الدّينيّة وجودهم كالكبريت الأحمر، و العالم العارف بقيمة ما ينشره قليل.

و قد كان دأب بعض الأفاضل أو المصحّحين التسامح في تحقيق بعض الألفاظ المصحّفة في كتب الحديث فطفقوا يفسّرونه بما يبدو لهم من قرائن الحال و ما تسوق إليه أدلّة الظنّ دون الرّجوع في ذلك إلى الأصول و استثباته من نصوصها، و كان ذلك مدرجة للزّلل في مقام الأخذ و الاستشهاد، فضلا عمّا يقع في مثل هذا الشطط في تحمّل الحديث و روايته.

و كثيرا ما سقط حرف أو كلمة فيقلب المعنى و انعكس على ضدّ المراد، و يقع القارئ في وحلة لا يكاد يخرج منها. مثلا في النبويّ المعروف المرويّ في التحف و الخصال: قال عليه السّلام: «ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك زوجتك و خادمك و السّفلة» فسقط هنا «واو» و الصواب- كما في التحف- «ثلاثة و إن لم تظلمهم ظلموك- الحديث».

و ربّما سقط سطر أو بيت فلا يستقيم المعنى فخبط الباحث في دياجير اللّفظ و هام في تيه التعبير فأخذ بين تقدير و تأويل و تخريج و تعليل ممّا يقضي بالعناء الثقيل إلى أن يفرغ منه و في نفسه منه أشياء. مثال ذلك أنّ صاحب معادن الحكمة أورد في كتابه عن أمير المؤمنين كتابا إلى شيعته قال فيه في ذمّ الحكمين- أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاصي- هكذا «فنبذا ما في الكتاب و خالفا ما في القرآن و كانا أهله» و تكلّف المؤلّف في توجيهه و قال: «يعني كانا أهل القرآن على زعمهما، أو على زعم الجاهلين بهما، أو يعني بذلك أنّهما كانا أهلا لخلاف القرآن» مع أنّه سقط هنا نحو سطر و الصواب- كما في غيره من الكتب- هكذا «و خالفا ما في الكتاب و اتّبعا هواهما بغير هدى من اللّه فجنّبهما اللّه السداد و أهوى بهما في غمرة الضلال و كانا أهل ذلك».

قال الجاحظ في كتاب الحيوان ج ١ ص ٦٤ طبع بيروت «ربّما أراد مؤلّف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حرّ اللّفظ و شريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتّى يردّه إلى موضعه من اتّصال الكلام و قد قيل: «إذا نسخ الكتاب و لم يعارض، ثمّ نسخ و لم يعارض خرج أعجميّا».

و هذا هو الحقّ المبين، و الحقّ أبلج لا يحتاج إلى زيادة البراهين.