كمال الدين و تمام النعمة

كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ١٠

سرّه- مجلسه، فرحّب به و أدناه من نفسه و بالغ في تعظيمه و تكريمه و تبجيله، و ألقى إليه مسائل غامضة في المذهب، فأجاب عنها بأجوبة شافية، و أثبت حقيّة المذهب ببراهين واضحة بحيث استحسنه الملك و الحاضرون، و لم يجد بدّا من الاعتراف بصحّتها المخالفون.

و ذكر النجاشيّ في جملة كتبه: «ذكر مجلس الّذي جرى له بين يدي ركن الدّولة»، و «ذكر مجلس آخر»، «ذكر مجلس ثالث»، «ذكر مجلس رابع»، «ذكر مجلس خامس»[١].

و عمدة الكلام في تلك المجالس إثبات مذهب الإماميّة و لا سيّما مسألة الغيبة.

و ذلك لأنّ الشيعة- الفرقة الاثنى عشريّة- بعد ما فقدت راعيها تفرّقت و ارتابت و وقعت في الحيرة لخفاء الأمر عليها. و كان أمر الصاحب عليه السّلام منذ أيّام السفراء المحمودين إلى أواسط القرن الرّابع في ضمير الغيب، لا يكاد يسمع إلّا همسا أو من وراء حجاب، لا يعلمه إلّا الأوحديّون، و لا يعرفه إلّا خواصّ من الشيعة و هم لا يستطيعون الاصحار باسمه و لا وصفه، يعبّرون عنه عليه السّلام في نواديهم تارة بالصاحب، و أخرى بالغريم، و ثالثة بالرّجل أو القائم، و يرمزون إليه فيما بين أنفسهم ب (م ح م د) و أمر الامام في تلك الأيّام في غاية الاستتار. و من جانب آخر كثرة الشبهات و التشكيكات الّتي ظهرت من المخالفين كالزّيديّة و هم العمدة و الكيسانيّة و الاسماعيليّة و الواقفة في موسى بن جعفر عليهما السّلام.

فتشابكت هذه العوامل و تتابعت و تضافرت حتّى آل الأمر إلى تزلزل العقائد و تحيّر الناس في أمر الامام الغائب عليه السّلام و أفضى إلى ارتداد الفئة الناشئة و صرفهم عمّا كانوا عليه هم و آباؤهم.

و أحسّ المؤلّف- رحمه اللّه- هذا الخطر الدّاهم فنهض جاهدا لحفظ الشيعة عن هذا الشرّ المستطير و الانهيار المحقّق و الانهدام المتحتّم، و لو لا مجاهداته و مباحثاته في الرّي في مجالس عدّة عند ركن الدّولة البويهي مع المخالفين و في نيشابور مع أكثر المختلفين‌


[١]. مقدّمة معاني الأخبار بقلم الأستاد المحقق الشيخ عبد الرحيم الرباني.