العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨
تمهيد
العبادة من الموضوعات التي تطرّق إليها الذكر الحكيم كثيراً. وقد حثَّ عليها في أكثر من سورةٍ وآية وخصَّها بالله سبحانه وقال:( وقَضى ربُّكَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ وبِالوالِدَينِ إحساناً )[١]ونهى عن عبادة غيره من الاَنداد المزعومة والطواغيت والشياطين، وجعلها الاَصل الاَصيل بين الشرائع السماوية وقال:( يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ إيّاهُ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً ولا يَتَّخذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً مِنْ دُونِ اللهِ )[٢]كما جعلها الرسالة المشتركة بين الرسل فقال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ فمِنهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ومِنهمْ مَنْ حَقَّتْ عَليهِ الضَّلالةُ )[٣].
فإذا كان لهذا الموضوع تلك العناية الكبيرة فجدير بالباحث المسلم أن يتناولها بالبحث والتحقيق العلمي، حتى يتميّز هذا الموضوع عن غيره تميّزاً منطقياً.
والذي يُضفي على الدراسة أهمية أكثر، هو أنّ التوحيد في العبادة أحد مراتب التوحيد التي لا محيص للمسلم من تعلّمه، ثم عقد القلب عليه، والتحرّر عن أيّ لون من ألوان الشرك. فلا تُنال تلك الاَُمنيةُ في مجالي العقيدة والعمل إلاّ بمعرفة الموضوع معرفة صحيحة، مدعمة بالدليل حتّى لا يقع في مغبَّة الشرك، وعبادة غيره سبحانه.
ورغم المكانة الرفيعة للموضوع لم نعثر على بحث جامع حول مفهوم العبادة يتكفّل بيان مفهومها، وحدّها الذي يُفصله عن التكريم والتعظيم أو الخضوع والتذلّل، وكأنَّ السلف (رضوان الله عليهم) تلقّوها مفهوماً واضحاً، واكتفوا فيها بما
[١] الاِسراء: ٢٣.
[٢] آل عمران: ٦٤.
[٣] النحل: ٣٦.