العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧ - ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته
فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج يدلاّن بوضوح على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ليس عبادة. ولو فسّرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلّل، فقد فسّروها بالمعنى الاَوسع، فلا محيص حينئذٍ عن القول بأنّ العبادة ليست إلاّ نوعاً خاصاً من الخضوع. ولو سُمّي في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنّما سُمّي من باب المبالغة والمجاز، يقول سبحانه: (أَرأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَواهُ أفأَنتَ تَكونُ عَليهِ وَكيلاً )[١]فكما أنّ إطلاق اسم الاِله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة له، ضرب من المجاز.
ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: (ألَمْ أعْهَدْ إلَيكُمْ يا بَني آدمَ أنْ لا تَعبُدوا الشَّيطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُستقيمٌ )[٢].
فإنّ مَنْ يتَّبِع قولَ الشَّيطان فيتساهل في الصلاة والصيام، ويترك الفرائض أو يشرب الخمر ويرتكب الزنا، فإنّه بعمله هذا يقترف المعاصي؛ لا أنّه يعبده كعبادة الله، أو كعبادة المشركين للاَصنام، ولاَجل ذلك لا يكون مشركاً محكوماً عليه بأحكام الشرك، وخارجاً عن عداد المسلمين، مع أنّه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الاَعمّ من الحقيقي والمجازيّ.
وربما يتوسّع في إطلاق العبادة فتطلق على مطلق الاِصغاء لكلام الغير، وفي الحديث: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان»[٣].
[١] الفرقان: ٤٣.
[٢] يس: ٦٠ـ٦١.
[٣] الكافي ٦ : ٤٣٤.