العبادة حدّها ومفهومها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥ - ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته

ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته

إنّ الخضوع والتذلّل حتّى إظهار نهاية التذلّل لا يساوي العبادة ولا يعدّ حداً منطقياً لها، بشهادة أنّ خضوع الولد أمام والده، والتلميذ أمام أُستاذه، والجنديُّ أمام قائده، ليس عبادة لهم وإن بالغوا في الخضوع والتذلّل حتّى ولو قبّل الولدُ قدمَ الوالدين، فلا يعد عمله عبادة، لاَنّ الله سبحانه يقول: (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمةٍ )[١].

وأوضح دليل على أنّ الخضوع المطلق وإن بلغ النهاية لا يعدّ عبادة هو أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم وقال: (وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ )[٢] وآدم كان مسجوداً له ككونه سبحانه مسجوداً له، مع أنّ الاَول لم يكن عبادة وإلاّ لم يأمر بها سبحانه، إذ كيف يأمر بعبادة غيره وفيالوقت نفسه ينهى عنها بتاتاً في جميع الشرائع من لدن آدم _ عليه السلام _ إلى الخاتم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولكن الثانيـ أي الخضوع للهـ عبادة.

والله سبحانه يصرّح في أكثر من آية بأنّ الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والنهي عن عبادة غيره، كانت أصلاً مشتركاً بين جميع الاَنبياء، قال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ )[٣]وقال سبحانه: (وَما أرسَلنا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسولٍ إلاّ نُوحي إليهِ أنَّهُ لا إلـهَ إلاّ أنَا فَاعْبُدونِ )[٤]وفي موضع آخر من الكتاب يعدّ سبحانه التوحيد في العبادة: الاَصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية، إذ يقول: (قل يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا


[١] الاِسراء: ٢٤.
[٢] البقرة: ٣٤.
[٣] النحل: ٣٦.
[٤] الاَنبياء: ٢٥.