تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - الصفحة ٢٢٥
صافي يعني الخنازير التي كانت في حلقه فيتلف عن قرب ولا يرى الناس أخرجها عن ولدي ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل وساوى بينه وبينهم في شئ عزيز في العالم والشح على مثله في طباع الصبيان فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن فيقسم ما جمعته من الاموال كما قسم العنب ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها فتضيع الثغور وتنتشر الامور وتخرج الخوارج وتحدث الاسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا فقلت يا مولاي بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة منك ويصير كهلا في أيامك ويتأدب بآدابك ويتخلق بخلقك ولا يكون هذا الذي ظننت فقال احفظ عني ما أقوله فإنه كما قلت قال ومكث يومه مهموما وضرب الدهر ضربته ومات المعتضد وولي المكتفي فلم يطل عمره ومات وولي المقتدر فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالاموال فأخرجت إليه وحلت البدر وجعل يفرقها على الجواري والنساء ويلعب بها ويمحقها ويهبها ذكرت مولاي المعتضد وبكيت قال وقال صافي كنت يوما واقفا على رأس المعتضد فقال هاتوا فلانا الطيبي خادم يلي خزانة الطيب فأحضر فقال له كم عندك من الغالية فقال نيف وثلاثون حبا صينيا مما عمله عدة من الخلفاء قال فأيها أطيب قال ما عمله الواثق قال أحضرنيه فأحضره حبا عظيما يحمله خدم عدة بدهق ومثقلة ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذكاء فاعجبت المعتضد وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا من غير أن يشعث رأس الحب وجعله في لحيته وقال ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا شيلوه فرفع ومضت الايام فجلس المكتفي للشرب يوما وهو خليفة وأنا قائم على رأسه فطلب غالية فاستدعى الخادم وسأله عن الفوالي فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه فاستدعى غالية الواثق فجاءه بالحب بعينه ففتح فاستطابه وقال أخرجوا منه قليلا فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالا فاستعمل منه في الحال ما أراده ودعا بعتيدة له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الايام وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع ومضت الايام وولى المقتدر الخلافة وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه فأراد أن يتطيب فاستدعى الخادم وسأله فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه