مجموعة الرسائل - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٢٩
وبعبارة أخرى هي إنشاء ما يصلح لأن يكون داعيا له إلى الفعل المأمور به، وزاجرا عن الفعل المنهي عنه، لأن ينبعث نحو الفعل من ينبعث بأمره، وينتهي عن المنهي عنه من ينتهي عن نهيه، ويتم الحجة على غيره ممن يستخف بأمره، ولا يعتني به. وهذا أمر يجتمع مع الإرادة الحقيقية والجدية، التي هي روح الحكم تارة، ويفارقها أخرى، فإذا علم المولى من حال عبده أنه ينبعث بأمره، وينزجر بنهيه، وإن أمره يدعوه إلى إطاعته وامتثاله، يريد منه بالإرادة الجدية، والطلب الحقيقي فعل ما أمره به، وترك ما نهاه عنه، فأمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد يكون حقيقيا جديا. وإذا علم من حاله أنه لا يؤثر فيه أمر المولى، ولا يحركه بشئ، ولا يصير داعيا له نحو الإطاعة والإمتثال، فلا يعقل أن يكون أمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد حقيقيا، ولا يقترن مثل هذا الأمر والنهي بإرادة الآمر والناهي الجدية، فالأمر والطلب في الصورة الأولى يكون حقيقيا مجامعا مع الإرادة الجدية، وفي الصورة الثانية يكون صوريا، ولإتمام الحجة وقطع العذر. وبالجملة فلا يعقل إرادة الإنبعاث الجدية، والطلب الحقيقي ممن يعلم أنه لا ينبعث بأمر المولى، فلا يعقل أن يقول (قم) أو (لاتزن) أو (لا تشرب الخمر) ويريد القيام، وترك الزنا وترك الخمر بالإرادة الجدية ممن يعلم أنه لا ينبعث بهذا الأمر ولايأتمر به، ولاينزجر عن الزنا وشرب الخمر، ولا ينتهي بنهيه عنهما حتى لو كان المولى من الموالي العرفيين، ولم يعلم ذلك من العبد، واحتمل في حقه تأثير أمره فيه، وانبعاثه به، وتحريكه نحو الفعل، لاتتأتى منه الإرادة الجدية بمجرد ذلك الإحتمال، بل إنما يأمر، وينهى رجاء انبعاث عبده أو انتهائه. والحاصل أنه لا يعقل تعلق الإرادة الجدية، والطلب الحقيقي بصدور فعل عمن يعلم المريد أنه لا يفعله، والأمر أو النهي في هذه الصورة لا يكون إلا صوريا. وما ذكرناه يستفاد من كثير من الآيات القرآنية الكريمة كقوله تعالى (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) [١]
[١] يس - ٧٠ (*)