رحلة ديللافاليه إلى العراق - الأب د. بطرس حداد - الصفحة ٦٦
وهي منسوجة من مادة غليظة قوية جدا ، تتحمل حرارة الشمس وتأثير المطر. تقوم النساء على نسجها من شعر الماعز الأسود ، فالماعز كثير عند الأعراب ويغلب عليه اللون الأسود ، فتذكرت قول الكتاب ؛ «أنا سوداء لكني جميلة ... كأخبية قيدار» [١] إن قيدار هو أحد أبناء إسماعيل ، وينتسب العرب إلى إسماعيل.
الخيام عبارة عن قرية متنقلة ، وجدت هناك عددا غفيرا من الرجال والنساء. والجدير بالذكر أن النساء حاسرات الوجوه ، لا يتحجبن كما تفعل التركيات بذلك الحجاب الغريب. كن لابسات زيا بدويا ، ويتزيّن بحلي في الرقبة والمعصم والأرجل. يحملن أساور من معادن مختلفة كالنحاس والصفر والفضة ، ويضفن إلى ذلك بعض الخرز من العنبر أو البلور الملون ، وكلهن على الإطلاق يستعملن الوشم على الأيدي وعلى الشفاه ومعظم أجزاء الجسم ، ولونه أزرق قاتم ، ويتم بواسطة إبرة مع صبغ مستخلص من كبد الأسماك يزرق تحت الجلد ، لا يزول أبدا [٢] وهذه عادة منتشرة في هذه البلاد وفي مصر ، وفي أرجاء الشرق عامة ، وتعتبر من وسائل التجميل للنساء والرجال على السواء ولم أتخلص منها رغم كوني غريبا عن البلاد فقد وشمني رجل ماهر بهذا الفن في يدي.
الوشم ليس من العادات المستحدثة ، فله جذوره العميقة ، وقد ذكره الأقدمون ، فنحن نقرأ في كتاب وضعه «بومبونيو ميلا» [٣] وكتاب آخر من تأليف «جوليو سولينو» [٤] ان قوما من الإغريق هم أهل «أجاتيرا» كانوا يلونون وجوههم وأبدانهم بالألوان التي لا تمحى. وقد نوه بهم «فيرجيل» [٥] أيضا.
[١] نشيد الانشاد ١ : ٤ وكذلك سفر التكوين ٢٥ : ١٣.
[٢] عزيز جاسم الحجية : بغداديات ٢ : ١٨ (بغداد ـ ١٩٦٨).
[٣] جغرافي لاتيني من أبناء المائة الأولى للميلاد.
[٤] مؤرخ لاتيني عاش في القرن الثالث له كتاب «التاريخ العام» بحث فيه عن أجناس البشر والتاريخ الطبيعي لسائر البلاد.
[٥] أعظم شعراء روما (٧١ ـ ١٩ ق. م) له الرعائيات ، والفلاحيات وملحمة الانياذة.