أصول مهذبة - التبريزي، غلام حسين - الصفحة ٢٥ - بحث الأضداد
الغريقين في آن واحد بحيث لا يمكن إلا إنقاذ واحد منهما و أنت لا تكلف عبيدك بإنقاذهما لا لقصور فيهما أو في مطلوبيتهما بل لقصور في الزمان و عدم سعته إلا لواحد منهما فهما في أنفسهما مطلوبان و لكن الزمان لا يسع كليهما فإن لم يكن في أحدهما ترجيح فالوجدان و العقل الفطري [الذي يبعث العبد باقتضاء عبوديته بامتثاله لأوامر مولاه] يخيّره في إنقاذ كل منهما و لا يعذره في تركهما و إن كان رجحان في أحدهما كأن كان أحدهما عالما برا تقيا و قد كان يعلم العبد أنّ إنقاذه أشد حبا لمولاه فعقله و فطرته يحكم بتقديمه عليه في مقام الامتثال و الانقياد فلو أنه ترك إنقاذهما في هذه المقام كان مسئولا أيضا بتركهما معا لأنه ترك أمرين كل منهما مطلوب لمولاه في نفسه و إن ترك الأهم كان مسئولا أيضا بتركه و لكنه لو أتى بغير الأهم كان آتيا لمطلوبه الآخر الذي لا يكون مهما و كان صحيحا و موجبا للتقرب إن كان تعبديا و أتى به متقربا إليه و هكذا إن كان زمان أحدهما مضيقا و زمان الآخر موسعا و كان مطلوبيتهما في أنفسهما في عرض سواء فالعقل الفطري يحكم بلزوم تقديم المضيق لأنه يفوت وقته دون الآخر و لو أنه تركه و أتى بالموسع فقد خالف في تركه المضيق و لكنه امتثل في إتيان الموسع و إن شئت (١) قلت في جميع ذلك بأنه
(١) لا يخفى عليك أن اللّه تعالى جل شأنه و عظم سلطانه منزه عن توارد الحوادث عليه و ليس هو محلا للحوادث فالطلب و الإرادة لا يتواردان عليه و إنما إنشاء و قرر الأحكام لمصالح يعلمها و إذا تزاحم الحكمان فليس القصور في الحقيقة من جانبها و عدم الإمكان أنما أتى من جهة قصور الوقت و عدم سعته فبكل منهما أتى فقد أتى بما هو مطلوب و محبوب للمولى بالمعنى الذي ذكرنا و إن كان العقل يلزمه بأن يأتي بما هو أهم أو بما هو يضيق فافهم