منتقى الأصول - الحكيم، السيد عبد الصاحب - الصفحة ٣٥٩ - تحقيق الحال في المقام
يلتزم بأن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق ليست بالوضع وبنفسها ، بل بتبع ما يراد من مدخولها بحسب جريان مقدمات الحكمة فيه.
ويلتزم أيضا بأن مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الجدي بحيث يكون الدليل المنفصل موجبا لتضييق دائرة ظهوره الإطلاقي كالمتصل ، وكاشفا عن انه لم يكن في مقام البيان من جهة المقيد ، فينهدم إطلاقه من هذه الجهة وينعقد في غيرها.
من يلتزم بهذين الالتزامين ، لا محيص له عن الالتزام بانقلاب النسبة ، إذ مع ورود الدليل الخاصّ المنافي لأحد العامين ينهدم إطلاقه وينعقد في غير مورد القيد ، فيكون بالنسبة للعام الآخر خاصا.
وبما ان المحقق النائيني يلتزم بكلام الالتزامين فانقلاب النسبة لديه ضرورة واضحة.
وعلى كلا التقريبين يتعين الترتيب في الملاحظة مع السبق الزماني ولو من امام واحد.
اما على الأول ، فواضح ، لأنه بعد ورود الخاصّ الأول ينهدم ظهور العام في الباقي ، فتكون نسبة الثاني حين وروده نسبة العموم من وجه ، كما لا يخفى.
واما على الثاني ، فظهور العام وان كان بعد ورود الخاصّ الأول على حاله ، إلاّ ان حجيته ـ التي هي مناط المعارضة لا ظهوره ـ تتضيق قطعا ، فيكون العام حجة في غير مورد الخاصّ الأول ، ويبقى هكذا حتى ورود الخاصّ الثاني ، ومعارضة الخاصّ الآخر انما هي بمقدار حجيته لا بمقدار ظهوره كما هو الفرض.
وهما بهذا اللحاظ عامّان من وجه ، وان كان بينهما بلحاظ الظهور عموم وخصوص مطلق.
ومن هنا يظهر ما في كلام مصباح الأصول من الابتعاد عن موضع الكلام ونكتته ، فان كون كلام الكل بمنزلة كلام واحد لا ينافي ما ذكرنا ، إذ تعدد الصادر منه الكلام ووحدته لا ترتبط بنكتة المطلب التي بيّناها ، المتقومة بالسبق الزماني وان صدر الكلامان عن امام واحد.
نعم ، هذا ـ أعني : ما ذكرناه ـ انما يجدي بالنسبة إلى من أدرك الإمامين وسمع من الأول الخاصّ الأول ومن الآخر الثاني. اما بالنسبة إلى من تأخر عن زمان الأئمة عليهمالسلام ، وعثر على العام والمخصصين المترتبين زمانا ، فلا يجدي ما ذكر ، لأن ما ذكرناه متقوم بكون العام حجة لديه في غير مورد الخاصّ الأول ثم يرد الخاصّ الآخر ، والحجية انما تكون بالوصول ، ومع وصول المجموع دفعة واحدة لم يكن العام قبل ورود أحد الخاصّين حجة بالنسبة إليه كي تنقلب نسبته مع وروده ، بل هو في هذه الحال حجة في غير مورد الخاصّين. فلاحظ.