تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام - إبراهيم بن محمّد بن عيسى الميموني - الصفحة ٧٧ - ـ المبحث الثالث فى فضل الحجر الأسود
أن العرف اقتضى ذلك ، فنزل النذر عليه ، ولا شك أنه إذا كان عرف حمل عليه ، وإن لم يكن عرف فيظهر أن يجيء فيه خلاف على وجهين : أحدهما : لا يصح النذر ، ولأنه لم يشهد له الشرع بخلاف الكعبة والحجرة الشريفة ، والثانى : تصح إذا كان مشهورا بالخير ، وعلى هذا ينبغى أن يصرف فى مصالحه الخاصة به ولا يتعداها ، والأقرب عندى بطلان النذر لما سوى الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاثة لعدم شهادة الشرع لها ، وإن من أخرج من ماله شيئا لها ، واقتضى العرف صرفه فى جهة من جهاتها صرف إليها واختصت به والله أعلم.
وقال المحب [١] الطبرى فى حديث شيبة السابق لما أخبره شيبة : أن النبى ٦ وأبا بكر لم يتعرضا للمال رأى عمر رضى الله عنه أن ذلك هو الصواب ، وكأنه رأى حينئذ أن ما جعل فى الكعبة يجرى مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره ، أو رأى ترك ذلك تورعا حين أخبره شيبة أن صاحبيه تركاه وإن كان رأيه إنفاقه فى سبيل الله ، فتركه ٦ إنما هو رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لذلك وأيده شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر برواية مسلم فى خبر عائشة : «لو لا قومك حديثو عهد بجاهلية» الحديث : وفيه : «ولأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله ، ولجعلت بابها بالأرض» ، قال : وعليه فإنفاقها جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم ٦ لزوال سبب الامتناع انتهي.
وتقدم المراد بالكنز وتعريفه قال [٢] ابن حجر عقب نقله لما تقدم : فإن قلت : هذا ينافى ما ذكره أصحابنا من أنه لا يجوز صرف شيء من مال الكعبة الذى أهدى لها إلى شيء من المصالح الخارجة عنها ، فما جوابهم عن ذلك؟
قلت : يمكن أن يجاب من جهتهم عن ذلك بأن ترك أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وبقية الخلفاء الراشدين لأخذه وإنفاقه فى سبيل الله تعالى مع شدة احتياجهم إليه ، ومع زوال ذلك المعنى الذى خشيه ٦ فى حياته وبعد موته
[١] انظر القرى لقاصد أم القرى ص ٦٦.
[٢] انظر رسالته المناهل العذبة مخطوط لوحة ٩.