تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام - إبراهيم بن محمّد بن عيسى الميموني - الصفحة ٤٨ - ـ المبحث الثالث فى فضل الحجر الأسود
وكان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أرض المدينة وحماية أهلها منها لما التجأوا إلى مسجدها فطفيت عند وصولها لحرمها ، وربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم فى الآخرة مع اقتراف الأوزار ، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذى هو أفصح من لسان المقال ، والنار مطهرة لأدناس الذنوب وقد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض والقاضى والخطيب منهم وأساءوا الأدب ، وقد وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد هذه الأبيات :
| لم يحترق حرم النبى لحادث | يخشى عليه وما به من عار | |
| لكنها أيدى الروافض لا مست | تلك الرسوم فطهرت بالنار وغيره | |
| قل للروافض بالمدينة ما بكم | لقيادكم للذم كل سفيه | |
| ما أصبح الحرم الشريف محرقا | إلا لسبكم الصحابة فيه |
وفى ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها حضرة الرسول النذير ٦ ، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازى بها فى موضع عرضها ، فإنا فى وجل مما يعقب ذلك حيث لم ، يحصل به الاتعاظ والانزجار قال الله تعالى : (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً)[١] وقال تعالى : (ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ)[٢] انتهى كلام السيد السمهودى.
وقد أخبر الصادق المصدوق بخراب هذا البيت الشريف بعد الإسلام مرتين وأنه يرفع فى الثالثة أو يرفع الحجر الأسود فيها على ما سيأتى ، وقد ذكر العلماء أن من جملة الآيات البينات المذكورة فى قوله تعالى : (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ)[٣] بقاء بنائه الذي بناه ابن الزبير إلى الآن ولا يبقى غير هذه المدة الطويلة على ما يذكره المهندسون ؛ لأن الرياح والأمطار إذا تواترت على مكان خربته ، والكعبة ما زالت الرياح العاصفة والأمطار العظيمة تتوالى عليها منذ بنيت وإلى تاريخه ولم يحدث بحمد الله تغير فى بنائها ، ولكن سقوطها الآن
[١] الإسراء : (٥٩).
[٢] الزمر : (١٦)
[٣] سورة آل عمران : آية (٩٧).