الإخوة الإيمانية في الكتاب و السنة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧
من أفراده في جهوده عن الآخر في بناء حياته، وتوفير كلّ متطلباتها بلا تعاون ولا تبادل ولا قضاء حاجة من أحد إلى أحد لاستحالت حياة هؤلاء الأفراد، ولو قُدِّر لهم أن يعيشوا لما أمكن لهم أن يتجاوزوا حدّ الحياة البدائية المنحطَّة الخسيسة، وأن يحرزوا علماً وتقدّماً.
ويستهدف التصميم الإلهيّ للمجتمع المؤمن أن يكون أشدّ المجتمعات الإنسانية تماسكاً، وتفاعلًا إيجابيّاً وتعاوناً وتناصراً في الخير، وصلاحاً وإصلاحاً وقوّة، ونضجاً، وتكاملًا.
ومن هذا التصميم ما تحرص عليه نصوص الدِّين من إثبات وتأصيل وتجذير وتركيز ورعاية لروح الأخوَّة الإيمانية في أبناء المجتمع المسلم التي تدفع بهم إلى قضاء حاجة المحتاج منهم، والنهوض بالضعيف، وتفريج الكرب عن مكروبهم، والمبادرة إلى تعليم جاهلهم، وهداية ضالّهم، ونصرة مظلومهم في حسن نيّة، وسلامة قصد، وشكر لله عزوجل على ما أنعم، ووفّق إليه من عمل صالح، ودور بنّاء، من غير منٍّ ولا استعلاء، أو استطالة على أحد من ذوي الحاجات.
وفي هذا التعاون، والتعاضُد، والتناصر، والقضاء على مواطن الحاجة، وبؤر الجهل، والضعف نهوض بمستوى المجتمع كلّه، وبناء لعلاقات إنسانية كريمة قوية متينة، وتصحيح للنفوس، وتفعيل لأكبر قدر ممكن من الطاقات، وزيادة للإنتاج، وفتح لفرص الإبداع، فربَّ موهبة كبيرة أقبرها الفقر، وربّ عبقرية متوقِّدة قلَّل من عطائها الإهمال.
وبرغم أنّ واقع حياة الإنسان يجعله لا يستغني عن النّاس إلّا أنَّ التربية الإسلامية تدفع بكل أبنائها إلى أن يطلبوا الغِنى والقوّة بكل أبعادها النافعة ليكون كلُّ واحد منهم قادراً على العطاء ما أمكن، لا محتاجاً للأخذ، وفي موقع أن يُعين، لا أن يُعان. ومن لم يجد فليكن على تعفّف وإكرام للنفس، وإذا أخذ فلا يأخذ إلا بقدر الحاجة [١].
[١] خطبة الجمعة (٥٠٠) ٢٨ جمادى الأول ١٤٣٣ ه-- ٢٠ أبريل ٢٠١٢ م.