الإخوة الإيمانية في الكتاب و السنة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٥
يحكم فيه الخط المادي في الأرض ويركز قيم الأرض، ويطارد قيم السماء. وفي ظل هيمنة المادة، وفكر المادة وشعورها وقيمها، ونظرتها القصيرة لا بدّ أن يشحّ وجود الأخ الموثوق. حياة المادة تخرّب الأوضاع الخارجية، وتفسد النفس، وتجفّف منابع الرحمة ومنابع الخير في داخل الإنسان، وفي ظل هذا الوضع لا بدّ أن يصعبَ عليك أن تجد أخاً موثوقاً به؛ لأنّ الثقة بالشخص إنّما تنبع أول ما تنبع من ارتباطه بالله، من قيمه السماوية، من حسّه الأخروي، من إنسانيته الغزيرة. وكل ذلك في جفاف، وكل ذلك في اضمحلال حين تحكم المادة وقيمها في الأرض. ويأتي الحديث الآخر في هذا السياق فيقول: قال محمد بن هارون الجلاب: قلت لأبي الحسن الهادي عليه السلام: روينا عن آبائك أنه يأتي على الناس زمان لا يكون شيء أعزّ من أخ أنيس، أو كسب درهم من حلال. فقال: «قاسم، عيسى احمد، الإخوة الإيمانيةفي الكتاب و السنة، ١جلد، مركز المصطفى (ص) العالمي للترجمة و النشر - قم - ايران،چاپ: ١، ١٤٣٧ ه.ق.إنّ العزيز موجود، ولكنك في زمانليس شيء أعسر من درهم حلال وأخ في اللهعزوجل» [١].
يقول الإمام عليه السلام في هذا الجواب، هناك تفاوت بين زمن وآخر، هناك زمن يعزّ فيه الصديق، وزمن آخر يعسر فيه الصديق، والعسر درجة أشدّ من درجة أن يعزّ الشيء. معنى أن يعزّ الشيء هو أن يغلا، ويكون طلبه بالثمن الكبير، أمّا أن يعسر فذلك أنّ الحصول على الصديق يتعب بدرجة أكبر، ويشحّ بدرجة أكبر ولا يكاد يحصل [٢].
عن الرسول صلي االه عليه وآله: «يأتي على الناس زمان إذا سمعتباسم الرجل خير من أن تلقاه، فإذا لقيته خير من أن تجرّبه، ولو جرّبته أظهر لكأحوالًا» [٣]. إذا لقيته ولو لساعة اكتشفت منه ما يسوء، وانحدرت شخصيته في نفسك عمّا سمعت
[١] ميزان الحكمة، الريشهري، ج ١، ص ٥٢.
[٢] خطبة الجمعة (٢٦٧) ٢٢ ذي الحجة ١٤٢٧ ه-- ١٢ يناير ٢٠٠٧ م.
[٣] ميزان الحكمة، الريشهري، ج ١، ص ٥٢.