الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٦٧ - اعتبار من يقول بفسخ البيع في وقت النداء
(وصل الاعتبار في ذلك)
الخارج عن الموطن الذي تعطيه معرفة الحق من حيث ما هو آمر بها من دليل من عرف نفسه عرف ربه و هو الارتباط بالمعرفتين فلا يخلو أن يكون خروجه إلى معرفة ربه من حيث ما هو واجب الوجود أو يكون خارجا إلى حضرة الحيرة و الوقوف أو الكثرة فإن كان خارجا إلى حكم معرفة كونه واجب الوجود لنفسه لا تجب عليه الجمعة و إن كان خروجه إلى ما سوى هذا وجبت عليه الجمعة بلا شك
(وصل في فصل الساعات التي وردت في فضل الرواح إلى الجمعة)
[أقوال الناس في ابتداء فضل ساعات الرواح إلى الجمعة]
فمن قائل هي الساعات المعروفة من أول النهار و من قائل هي أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال و بعده و الذي أقول به إنها أجزاء من وقت النداء الأول إلى أن يبتدئ الإمام بالخطبة و من بكر قبل ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة مما لم يوقته الشارع
(وصل الاعتبار في ذلك)
السعي سعيان سعى مندوب إليه و هو من أول النهار إلى وقت النداء و سعى واجب و هو من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعا من الركعة الثانية و الأجر الموقت للساعي إلى أول الخطبة و ما بعد ذلك فاجر غير موقت لأنه لم يرد في ذلك شرع فأما الأجر الموقت فهو من بدنة إلى بيضة و بينهما بقرة و هي تلي البدنة و يليها كبش و تلي الكبش دجاجة و البيضة تأتي بعد الدجاجة آخرا و ليس بعدها أجر موقت و لما كانت البيضة من الدجاجة و فيها تتكون الدجاجة و ما في معناه من الحيوان الذي يبيض لهذا قرن البيضة مع الحيوان في توقيت القربة و قصد من الحيوانات في التمثيل ما يؤكل لحمه دائما غالبا مما لا خلاف في أكله و به تعظم قوة الحياة في الشخص المتغذي فكان المتقرب به تقرب بحياته و التقريب بالنفس إلى اللّٰه أسنى القربات أ لا ترى الشهداء في سبيل اللّٰه لما تقربوا بأنفسهم إلى اللّٰه في قتال أعداء اللّٰه كانت لهم الحياة الدائمة و الرزق الدائم و الفرح بما أعطاهم اللّٰه فلا يقال في الشهداء أموات لنهي اللّٰه عن ذلك لأن اللّٰه أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة و الجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور و لا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ و خير اللّٰه صدق فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى اللّٰه بنفوسهم(حكي عن بعض شباب الصالحين)أنه كان بمنى يوم النحر و كان فقيرا متجردا لا يقدر على شيء من الدنيا فنظر إلى الناس يتقربون إلى اللّٰه بنحر بدنهم و بالبقر و الغنم و ما قدروا عليه من الحيوان فقال الشاب إلهي إن الناس قد تقربوا إليك في هذا اليوم بما وصلت أيديهم إليه مما أنعمت به عليهم و ما لعبدك المسكين شيء يتقرب به إليك في هذا اليوم سوى نفسه فأقبلها فما فرغ من كلامه حتى فارق الدنيا فقبضه اللّٰه قبض الشهداء سبيل اللّٰه و لنا بيت من قصيدة في هذا المعنى
و أهدى من القربان نفسا معيبة و هل رىء خلق بالعيوب تقربا
و في مثل هذا يقول بعضهم و قد رأى بمنى مثل ما رآه هذا الشاب من الحاج فأنشد
تهدي الأضاحي و أهدى مهجتي و دمي
(وصل في فصل البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة)
اختلفوا في البيع في وقت النداء فمن قائل يفسخ و من قائل لا يفسخ قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ فأمر بترك البيع في هذا الوقت
[اعتبار من يقول بعدم فسخ البيع في وقت النداء]
قال اللّٰه تعالى إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ و
قال ع في الجهاد إنه جهاد النفس و هو الجهاد الأكبر و قال تعالى قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ و لا أكفر من النفوس بنعم اللّٰه و لا يلي الإنسان أقرب إليه من نفسه و جهاد النفس أعظم من جهاد العدو لأن الإنسان لا يخرج إلى جهاد العدو إلا بعد جهاده لنفسه و جهاد العدو قد يقع من العبد للرياء و السمعة و الحمية و جهاد النفس أمر باطن لا يطلع عليه إلا اللّٰه كالصوم في الأعمال و أحق بيع النفس من اللّٰه إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فيترك جميع أغراضه و مراداته و يأتي إلى مثل هذا السوق فيبيع من اللّٰه نفسه و مثل هذا البيع لا يفسخ هذا مذهب من يقول بعدم الفسخ
[اعتبار من يقول بفسخ البيع في وقت النداء]
و من يقول بالفسخ اعتباره هو أن يقول جميع أفعال العبادات أضافها إلى العباد إلا عبادتين العبادة الواحدة الصوم فأضافه إلى نفسه و العلة في ذلك أنها صفة صمدانية سلبية لا تنبغي إلا لله من حيث