زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٧٧ - الآية ١ ـ ٤
وقدّم الكفر لأنّه الأغلب عليهم والأكثر فيهم.
وقيل : هو الّذي خلقكم ، فمنكم كافر بالخلق وهم الدهريّة ، ومنكم مؤمن به.
ولا يجوز حمل الكلام على أنّ الله سبحانه خلقهم مؤمنين وكافرين كما هو مذهب الأشاعرة ، لأنّه لم يقل كذلك ، بل أضاف الكفر والإيمان إليهم وإلى فعلهم ، ولذلك يصحّ الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، وبعثة الأنبياء. على أنّ الله سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر والقبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر والضلال ، ويؤيّده بالمعجزات ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. هذا وقد قال سبحانه : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) [١]. وقال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «كلّ مولود يولد على الفطرة ، وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه».
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم حكاية عن الله سبحانه : «خلقت عبادي كلّهم حنفاء».
ونحو ذلك من الأخبار كثير.
إن قيل : سلّمنا أنّ العباد هم الفاعلون للكفر ، ولكن قد سبق في علم الله الحكيم أنّه إذا خلقهم لم يفعلوا إلّا الكفر ، ولم يختاروا غيره ، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلّا واحد؟ وهل مثله إلّا مثل من وهب سيفا باترا [٢] لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة ، فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذمّ الواهب للسيف وتعنيفه كما يذمّون القاتل؟
بل قصدهم باللوائم على الواهب أشدّ؟
قلنا : قد علمنا أنّ الله حكيم ، عالم بقبح القبيح ، عالم بغناه عنه ، فقد علمنا أنّ أفعاله كلّها حسنة ، وخلق فاعل القبيح فعله ، فوجب أن يكون حسنا ، وأن يكون له وجه حسن. وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه ، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها.
[١] الروم : ٣٠.
[٢] أي : قاطعا.