زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٧٤ - الآية ٩٤ ـ ١٠٠
(عُمْياً) لا يبصرون ما يقرّ أعينهم (وَبُكْماً) لا يسمعون ما يلذّ مسامعهم (وَصُمًّا) لا ينطقون بما يقبل منهم ، لأنّهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر ، وتصامّوا عن استماع الحقّ ، وأبوا أن ينطقوا بالصدق. ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مسلوبي الحواسّ ، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنّهم يقرءون ويتكلّمون.
(مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ) بأن أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها (زِدْناهُمْ سَعِيراً) توقّدا ، بأن نبدّل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة ، كأنّهم لمّا كذّبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء. وإليه أشار بقوله : (ذلِكَ) إشارة إلى ما تقدّم من عذابهم (جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) مرّ معناه [١].
(أَوَلَمْ يَرَوْا) أو لم يعلموا (أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) فإنّهم ليسوا أشدّ خلقا منهنّ ، ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ) هو الموت أو القيامة. وهو معطوف على قوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا). (فَأَبَى الظَّالِمُونَ) مع وضوح الحقّ (إِلَّا كُفُوراً) جحودا.
(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ) مرفوع بفعل يفسّره ما بعده. وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإيجاز ، والدلالة على الاختصاص. (تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) خزائن رزقه وسائر نعمه (إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق ، إذ لا أحد إلّا ويختار النفع لنفسه ، ولو آثر غيره بشيء فإنّما يؤثره لعوض يفوقه ، فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله وكرمه. ولقد بلغ هذا الوصف بالشحّ الغاية الّتي لا يبلغها الوهم.
وقيل : هؤلاء أهل مكّة الّذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها ، وانّهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لبخلوا بها.
[١] راجع ص ٤٢ ذيل الآية ٤٩.