زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣٠٣ - الآية ١٠
ثمّ نفى لما اعتقدوا من أنّ الوحي والرسالة والنبوّة من خواصّ الملائكة الّذين لا يحتاجون إلى الطعام ، ولا يليق بحالهم الموت ، فقال : (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) أي : ما أخرجناهم عن حدّ البشريّة ولوازمها بالوحي وإعطاء النبوّة.
وقيل : هذا جواب لقولهم : (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ) [١] و (ما كانُوا خالِدِينَ) تأكيد وتقرير له ، فإنّ التعيّش بالطعام من توابع التحليل المؤدّي إلى الفناء.
وتوحيد الجسد لإرادة الجنس. أو لأنّه مصدر في الأصل. أو على حذف المضاف ، أي : ذوي جسد. وهو جسم ذو لون ، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء. ومنه : الجساد للزعفران. وقيل : جسم ذو تركيب ، لأنّ أصله لجمع الشيء واشتداده.
(ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ) أي : في الوعد. مثل : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [٢] أي : من قومه. والمعنى : أنجزنا ما وعدناهم به من النصر والظهور على الأعداء.
(فَأَنْجَيْناهُمْ) من كيد أعدائهم (وَمَنْ نَشاءُ) وأنجينا المؤمنين بهم ، ومن في إيقائه حكمة ، كمن سيؤمن هو أو أحد من ذرّيّته. ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال.
(وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) على أنفسهم ، بتكذيبهم الأنبياء وسائر معاصيهم. وهذا تخويف لكفّار قريش.
(لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠))
ثمّ ذكر نعمته على العباد بإنزال القران ، فقال : (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ) يا قريش (كِتاباً) يعني : القرآن (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) شرفكم وصيتكم ، كما قال : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [٣]. أو فيه موعظتكم وما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم. أو فيه مكارم
[١] الفرقان : ٧.
[٢] الأعراف : ١٥٥.
[٣] الزخرف : ٤٤.