زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٢٣٧ - الآية ٣٦ ـ ٤٤
ولمّا أخبر سبحانه موسى بأنّه آتاه طلبته وأعطاه سؤله ، عدّد عقيبه ما تقدّم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه ، فقال : (وَلَقَدْ مَنَنَّا) أنعمنا (عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى) في وقت آخر ، إنعاما متواليا من صغرك إلى الوقت الّذي أعطينا سؤلك فيه.
ثمّ بيّن سبحانه تلك النعمة بقوله : (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ) بإلهام ، كقوله : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [١]. أو في منام. أو على لسان نبيّ في وقتها ، كقوله : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [٢] أو على لسان ملك لا على وجه النبوّة ، كما أوحى إلى مريم (ما يُوحى) أمرا لا يعلم إلّا بالوحي ، أو ممّا ينبغي أن يوحى ، لعظم شأنه ، وفرط الاهتمام به ، لأنّه يتضمّن مصلحة دينيّة ، فوجب أن يوحى ولا يخلّ به.
ثمّ فسّر ذلك الإيحاء بقوله : (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) فإنّ «أن» هي المفسّرة والمعنى : اقذفيه ، لأنّ الوحي بمعنى القول. (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ) والقذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ، كقوله : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) [٣]. وكذلك الرمي ، كقوله : غلام رماه الله بالحسن يافعا [٤] ... أي : حصل فيه ووضعه فيه حال كونه غير بالغ.
ولمّا كان إلقاء اليمّ إيّاه إلى الساحل أمرا واجب الحصول ، لتعلّق الإرادة به ، جعل البحر كأنّه ذو تمييز مطيع أمره بالإلقاء ، وأخرج الجواب مخرج الأمر ، فقال : (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) الضمائر كلّها لموسى عليهالسلام ، لأنّ رجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة ، لما يؤدّي إليه من تنافر النظم القرآني ، وإن كان المقذوف في البحر والملقى إلى الساحل التابوت بالذات وموسى بالعرض. والقانون الّذي وقع عليه التحدّي ومراعاته
[١] النحل : ٦٨.
[٢] المائدة : ١١١.
[٣] الأحزاب : ٢٦.
[٤] لأسيد بن عنقاء الفزاري. وتمام البيت : له سيمياء لا تشقّ على البصر