زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٤٥٧ - الآية ٧٨ ـ ٨٠
(يَعْمَهُونَ) عن الهدى.
ثمّ استشهد على هذا القول بقوله : (وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ) يعني : قتل صناديدهم وأسرهم يوم بدر (فَمَا اسْتَكانُوا) فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة (لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ) وما يقيمون على التضرّع ، بل أقاموا على عتوّهم واستكبارهم. والاستكان استفعال من الكون ، بمعنى الانتقال من كون إلى كون ، كالاستحالة بمعنى الانتقال من حال إلى حال ، فإنّ المفتقر انتقل من كون إلى كون. أو افتعال من السكون ، أشبعت فتحته. ولم يقل : وما تضرّعوا ، أو فما يستكينون ، لأنّ المعنى : محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة ، وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا أو يتضرّعوا.
(حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ) يعني : الجوع ، فإنّه أشدّ من الأسر والقتل (إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) آيسون من كلّ خير ، حتّى جاءك أعتاهم يستعطفك. أو محنّاهم بكلّ محنة من القتل والجوع ، فما رؤي منهم لين مقادة ، وهم كذلك حتّى إذا عذّبوا بنار جهنّم فحينئذ يبلسون ، كقوله : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) [١]. (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [٢].
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠))
[١] الروم : ١٢.
[٢] الزّخرف : ٧٥.