زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٢٣٤ - الآية ١٧ ـ ٣٥
و «من آياتنا» حال منها.
(اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ) بهاتين الآيتين وادعه إلى عبادتي (إِنَّهُ طَغى) عصى وتكبّر في كفره.
ولمّا أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي ، عرف أنّه كلّف أمرا عظيما وخطبا جسيما ، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلّا ذو قلب قويّ وصدر فسيح ، فسأل ربّه أن يشرح صدره حتّى لا يضجر ولا يغتمّ ، ويستقبل الشدائد بجميل الصبر ، وأن يسهّل عليه أمره الّذي هو خلافة الله في أرضه ، وما يصحبها من مقاساة الخطوب الجليلة. (قالَ رَبِّ اشْرَحْ) أي : وسّع (لِي صَدْرِي) حتّى لا أضجر ، ولا أخاف ، ولا أغتمّ.
(وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) وسهّل عليّ أداء ما كلّفتني من الرسالة ، والدخول على الطاغي ، ودعائه إلى الحقّ. وفائدة «لي» إبهام المشروح والميسّر أوّلا ، ثمّ رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيدا ومبالغة ، لأنّه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل.
(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي) فإنّما يحسن التبليغ من البليغ. وكان في لسانه رتّة [١] من جمرة أدخلها فاه. وذلك إنّ فرعون حمله يوما فأخذ بلحيته ونتفها ، فغضب وأمر بقتله. فقالت آسية : إنّه صبيّ لا يفرّق بين الجمرة والدرّة. فأمر فرعون حتّى أحضرهما بين يديه. فأراد موسى أن يأخذ الدرّة ، فصرف جبرئيل يده إلى الجمرة ، فأخذها ووضعها في فيه فاحترق لسانه.
وقيل : احترقت يده ، واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ. ثمّ لمّا دعاه قال : إلى أيّ ربّ تدعوني؟ قال : إلى الّذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه.
واختلف في زوال العقدة بكمالها. فمن قال به تمسّك بقوله : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) [٢]. ومن لم يقل احتجّ بقوله : (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً) [٣] وقوله :
[١] الرتة : العجمة والحكلة في اللسان. يقال : تكلم كلام الحكل ، أي : كلاما لا يفهم.
[٢] طه : ٣٦.
[٣] القصص : ٣٤.