زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٢٢٣ - الآية ٨
الملك جعلوه كناية عن الملك ، فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون : أنّه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا. ومعنى الاستواء عليه وتحقيقه قد مرّ [١] غير مرّة.
(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) ما تحت سبع الأرضين ، فإنّ الثرى آخر الطبقات الترابيّة من الأرض. وعن السدّي : هو الصخرة الّتي تحت الأرض السابعة. وهذا أيضا يدلّ على كمال قدرته وإرادته.
ولمّا كانت القدرة تابعة للإرادة ، ولا تنفكّ عن العلم ، عقّب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليّات الأمور وخفيّاتها ، فقال : (وَإِنْ تَجْهَرْ) برفع صوتك (بِالْقَوْلِ) بذكر الله ودعائه فاعلم أنّه غنيّ عن ذلك (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ) وهو ما أسررته إلى غيرك ، أو ما أسررته في نفسك. وقيل : هذا نهي عن الجهر ، كقوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) [٢]. والمعنى : فلا تجهد نفسك برفع الصوت ، فإنّك وإن لم تجهر علم الله السرّ.
(وَأَخْفى) من ذلك ، وهو ما أخطرته ببالك ، أو ما ستسرّه فيها.
وعن الباقر والصادق عليهماالسلام : «إنّ السرّ ما أخفيته في نفسك ، و «أخفى» : ما خطر ببالك ثمّ أنسيته».
وفيه تنبيه على أنّ شرع الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام الله ، بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ، ومنعها عن الاشتغال بغيره ، وهضمها بالتضرّع والجوار [٣].
(اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨))
ثمّ إنّه لمّا ظهر بذلك أنّه المستجمع لصفات الألوهيّة ، بيّن أنّه المتفرّد بها والمتوحّد بمقتضاها ، فقال : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) هو تأنيث الأحسن. وفضّل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن ، لدلالتها على معان هي أشرف المعاني
[١] راجع ج ٢ ص ٥٣١.
[٢] الأعراف : ٢٠٥.
[٣] جأر يجأر جؤارا إلى الله : رفع صوته بالدعاء وتضرّع إليه.