زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٥٠٢ - الآية ١١ ـ ١٧
وإنّما عدّي الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنّه منهما متوجّه إليهم ، وإلى الآخرين بحرف المجاوزة ، لأنّ الآتي منهما جلس متجافيا عن صاحبهما منحرفا عنه غير ملاصق له ، ثمّ كثر حتّى استعمل في المتجافي وغيره ، كما ذكرناه في «تعال». ونظيره قولهم : جلست عن يمينه أو عن شماله ، وقولهم : رميت عن القوس ، لأنّ السهم يبعد عنها.
وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة ، قعد له بطريق الإسلام ، فقال له : تدع دين آبائك ، فعصاه فأسلم. ثمّ قعد له بطريق الهجرة ، فقال له : تدع ديارك وتتغرّب ، فعصاه فهاجر. ثمّ قعد له بطريق الجهاد ، فقال له : تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل».
وعن شقيق : ما من صباح إلّا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد : من بين يديّ ، ومن خلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي. أمّا من بين يديّ فيقول : لا تخف فإنّ الله غفور رحيم ، فأقرأ : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) [١]. وأمّا من خلفي فيخوّفني الضيعة على مخلّفي ، فاقرأ : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) [٢]. وأمّا من قبل يميني فيأتيني من قبل الثناء ، فأقرأ : (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [٣]. وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات ، فأقرأ (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) [٤].
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) مطيعين. وإنّما قاله ظنّا ، لقوله تعالى : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [٥] لمّا رأى فيهم مبدأ الشرّ متعدّدا ومبدأ الخير واحدا ،
[١] طه : ٨٢.
[٢] هود : ٦.
[٣] الأعراف : ١٢٨.
[٤] سبأ : ٥٤.
[٥] سبأ : ٢٠.