زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣١ - الآية ١٧ ـ ١٨
للرحمة ، فقال : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ) أي : إنّما التوبة واجبة على الله تعالى بمقتضى وعده ـ كرما وتفضّلا ـ من تاب عليه إذا قبل توبته (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) متلبّسين بها ، أي : جاهلين سفهاء ، لأنّ ارتكاب القبيح ممّا يدعو إليه السفه والشهوة ، ولا يدعو إليه العقل والحكمة.
وعن أبي عبد الله عليهالسلام : «كلّ ذنب عمله العبد وإن كان عالما به ، فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه ، فقد حكى الله تعالى قول يوسف لإخوته : (هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) [١] ، فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى».
فارتكاب الذنب سفه وتجاهل ، ولذلك قيل : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته.
(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) من زمان قريب ، أي : قبل حضور الموت ، لقوله تعالى : (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) [٢]. وقوله عليهالسلام : «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» [٣]، كما ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال في آخر خطبة خطبها : «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه. ثم قال : وإنّ السنة لكثيرة ، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه. ثم قال : وإنّ الشهر لكثير ، من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه. ثم قال : وإنّ يوما لكثير ، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه. ثم قال : وإنّ الساعة لكثير ، من تاب وقد بلغت نفسه إلى هذه ـ وأهوى بيده إلى حلقه ـ تاب الله عليه» [٤].
وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت ، عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الخبر
[١] يوسف : ٨٩.
[٢] النساء : ١٨.
[٣] غرغر الرجل : صات صوتا معه بحح ، وجاد بنفسه عند الموت.
[٤] الفقيه ١ : ٧٩ ح ٣٥٤.