زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣٧٤ - الآية ٢٥ ـ ٢٦
جعلها ـ أي : الكعبة ـ بيته ما أدري ما يقول ، إلّا أنّه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين ، مثل ما حدّثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان : إنّي لأراه حقّا.
فقال : أبو جهل : كلّا فنزلت : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)
حين تتلو القرآن (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أغطية ، جمع كنان ، وهو ما يستر الشيء (أَنْ يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه (وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) يمنع من استماعه. والأكنّة في القلوب والوقر [١] في الآذان مثل في نبوّ قلوبهم وسامعتهم عن قبوله واعتقاد صحّته. ووجه إسناد الفعل إلى ذاته ـ وهو قوله :«وجعلنا» ـ للدلالة على أنّه ثابت فيهم لا يزول عنهم ، كأنّهم مجبولون عليه. أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم : (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [٢]. وقد مرّ [٣] تحقيق ذلك في أوّل سورة البقرة عند قوله : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ).
وقال القاضي أبو عاصم العامري : أصحّ الأقوال فيه ما روي أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي بالليل ، ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا ، رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبّر معانيه ويؤمن به. فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ، ومنعوه عن الجهر بالقراءة. فكان الله تعالى يلقي عليهم النوم ، أو يجعل في قلوبهم أكنّة ليقطعهم عن مرادهم ، وذلك بعد ما بلغهم ممّا تقوم به الحجّة وتنقطع به المعذرة ، وبعد ما علم الله سبحانه أنّهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون به ، فشبّه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم وبوقر آذانهم ، لأنّ ذلك كان يمنعهم من التدبّر ، كالوقر والغطاء. وهذا معنى قوله تعالى : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[١] وقرت أذنه وقرا : ثقلت أو ذهب سمعه كله وصمت أذنه.
[٢] فصلت : ٥.
[٣] راجع ج ١ : ٥٣ ـ ٥٤.