الحجاب في القرآن - مركز الرسول الأعظم(ص) - الصفحة ٢٠ - * مشروع الزواج

* مشروع الزواج :

٤ ـ ينبغي أنْ يكون في كلّ بلد ( صندوق الزواج ) ليُعين على تزويج العزّاب والعازبات ، ومساعدتهم في تكوين عشّ الزوجيّة ، قال تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) [٢١] .

ونرى أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )كان يهتمّ لتزويج مَن لم يكن متزوّجاً .. وكذلك الإمام أمير المؤمنين ، وسائر الأئمّة الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة والسلام ) .

فقد روي عن الصادق (عليه السلام): ( أنّ رسول الله زوّج المقداد بن الأسود ضِبَاعة ابنة الزبير بن عبد المطّلب ، وإنّما زوّجه لتتّضع المناكح ، وليتأسّوا برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )وليعلموا أنّ أكرمهم عند الله أتقاهم ) [٢٢] .

كما أمر ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )بتزويج جويبر في قصّة مفصّلة [٢٣] .


[٢١] سورة المائدة : آية : ٢ .

[٢٢] بحار الأنوار : ج٢٢ ، ص٤٣٧ ، ب١٣ ، ح٢ .

[٢٣] راجع بحار الأنوار : ج٢٢ ، ص١١٧ ، ب٣٧ ، ح٨٩ ، وفيه : عن محمّد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن مالك بـن عطيّة ، عن أبي حمزة الثمالي قال :

كنت عند أبي جعفر (عليه السلام)إذ استأذن عليه رجل فأَذِنَ له ، فدخل عليه فسلّم ، فرحّب به أبو جعفر ( ع ) وأدناه وساءله ، فقـال الرجل :

جُعِلتُ فداك إنّي خطبتُ إلى مولاك فلان بن أبي رافع ابنته فلانة فردني ورغب عنّي وازدرأني لدمامتي وحاجتي وغربتي ، وقد دخلني من ذلك غضاضة ، هجمة عض لها قلبي تمنّيت عندها الموت .

فقال أبو جعفر (عليه السلام): ( اذهب فأنت رسولي إليه ، وقل له : يقول لك محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالـب (عليه السلام): زوّج منحج ابن رياح مولاي ابنتك فلانة ولا تردّه ) .

قال أبو حمزة : فوثب الرجل فرحاً مسرعاً برسالة أبي جعفر (عليه السلام)، فلمّا أنْ توارى الرجل قال أبو جعفر : ( ‌إنّ رجلاً كان من أهل اليمامة يُقال له : جويبر أتى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )منتجعاً للإسلام فأسلم وحسن إسلامه ، وكان رجلاً قصيراً دميماً محتاجاً عارياً ، وكان من قِبَاح السودان ، فضمّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )لحال غربته وعراه ، وكان يجري عليه طعامه صاعاً من تمر بالصاع الأوّل ، وكساه شملتين ، وأمره أنْ يلزم المسجد ويرقد فيه بالليل ، فمكث بذلك ما شاء الله حتّى كثر الغرباء ممّن يدخل في الإسلام من أهل

الحاجة بالمدينة وضاق بهم المسجد ، فأوحى الله عزّ وجل إلى نبيّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): أنْ طهّر مسجدك ، وأخرج من المسجد مَن يرقد فيه بالليل ، ومُرْ بسدّ أبواب كلّ مَن كان له في مسجدك باب إلاّ باب علي ومسكن فاطمة (عليها السلام)، ولا يمرّنَّ فيه جُنُب ، ولا يرقد فيه غريب ) .

قال : فأمر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )بسدّ أبوابهم إلاّ باب علي (عليه السلام)، وأقرّ مسكن فاطمة ( صلّى الله عليها ) على حاله .

قال : ثمّ إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )أمر أنْ يتّخذ للمسلمين سقيفة ، فعُمِلَتْ لهم وهي الصفة ، ثمّ أمر الغرباء والمساكين أنْ يظلّوا فيها نهارهم وليلهم ، فنـزلوها واجتمعوا فيها ، فكان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )يتعاهدهم بالبُرّ والتمر والشعير والزبيب ، إذا كان عنده ، وكان المسلمون يتعاهدونهم ويرقونهم لرقّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )ويصرفون صدقاتهم إليهم .

فإنّ رسول الله نظر إلى جويبر ذات يوم برحمةٍ منه له ورقّة عليه ، فقال : ( يا جويبر ، لو تزوّجتَ امرأة فعفّفتَ بها فرجَك وأعانتك على دنياك وآخرتك .

فقال له جويبر : يا رسول الله بأبي أنت وأمّي ، مَن يرغب فيّ ؟ فو الله ما مِن حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال ، فأيّة امرأة ترغب فيّ ؟

فقال له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): يا جويبر ، إنّ الله قد وضع بالإسلام مَن كان في الجاهليّة شريفاً ، وشرف بالإسلام مَن كان في الجاهليّة وضيعاً ، وأعزّ بالإسلام مَن كان في الجاهليّة ذليلاً ، وأذهب بالإسلام ما كان مِن نخوة الجاهليّة وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها ، فالناس اليوم كلّهم : أبيضهم وأسودهم ، وقُرَشِيِّهم وعربيّهم وعجميّهم من آدم ، وإنّ آدم خلقه الله من طين ، وإنّ أحبّ الناس إلى الله عزّ وجل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم ، وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلاً إلاّ لِمَنْ كان أتقى لله منك وأطوع .

ثمّ قال له : انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد ، فإنّه مِن أشرف بني بياضة حَسَبَاً فيهم ، فقل له : إنّي رسول رسول الله إليك وهو يقول لك : زوّج جويبر ابنتك الدلفاء .

قال : فانطلق جويبر برسالة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )إلى زياد بن لبيد وهو في منـزله وجماعة من قومه عنده ، فاستأذن ، فأُعلم ، فأُذن له وسلّم عليه ، ثمّ قال : يا زياد بن لبيد : إنّي رسول رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )إليك ، في حاجة فأبوح بها ، أمْ أسرّها إليك ؟

فقال له زياد : بل بح بها فإنّ ذلك شرف لي وفخر .

فقال له جويبر : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )يقول لك : زوّج جويبر ابنتك الدلفاء .

فقال له زياد : أَ رسول الله أرسلك إليّ بهذا يا جويبر ؟

فقال له : نعم ، ما كنتُ لأكذب على رسول الله ( ص ) ؟

فقال له زياد : إنا لا نزوّج فَتَيَاتِنَا إلاّ أكفّاءنا مِن الأنصار ، فانصرف يا جويبر حتّى ألقى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )فأُخبره بعذري .

فانصرف جويبر وهو يقول : والله ما بهذا أُنزل القرآن ، ولا بهذا ظهرتْ نبوّة محمّد‌ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

فسمعت مقالته الدلفاء بنت زياد وهي في خدرها ، فأرسلتْ إلى أبيها : ادخل إليّ ، فدخل إليها ، فقالت له : ما هذا الكلام الذي سمعتُه منك تحاور به جويبراً ؟

فقال لها : ذكر لي أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )أرسله ، وقال : يقول لك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): زوّج جويبراً ابنتك الدلفاء .

فقالت له : والله ما كان جويبر ليكذب على رسول الله ( ص ) بحضرته ، فابعث الآن رسولاً يردّ عليك جويبراً .

فبعث زياد رسولاً فلحق جويبراً ، فقال له زياد : يا جويبر ، مرحباً بك ، اطمئن حتّى أعود إليك ، ثمّ انطلق زياد إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )فقال له بأبي أنت وأمّي إنّ جويبراً أتاني برسالتك ، وقال : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )يقول : زوّج جويبراً ابنتك

الدلفاء ، فلم أَلِنْ له في القول ، ورأيتُ لقاءك ، ونحن لا نزوّج إلاّ أكفّاءنا من الأنصار .

فقال له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): يا زياد ، جويبر مؤمن ، والمؤمن كفؤ للمؤمنة ، والمسلم كفؤ للمسلمة ، فزوّجه يا زياد ولا ترغب عنه .

قال : فرجع زياد إلى منـزله ودخل على ابنته ، فقال لها ما سمعه من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

فقالتْ له : إنّك إنْ عصيتَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )كفرتَ ، فزوّج جويبراً .

فخرج زياد فأخذ بيد جويبر ، ثمّ أخرجه إلى قومه ، فزوّجه على سُنّة الله وسُنَّة رسوله ، وضمن صداقها .

قال : فجهَّزها زياد وهيّأها ثمّ أرسلوا إلى جويبر فقالوا له : ألك منـزل فنسوقها إليك ؟

فقال : والله مالي من منـزل .

قال : فهيَّئوها وهيّئوا لها منـزلاً وهيّئوا فيه فراشاً ومتاعاً وكسوا جويبراً ثوبّين ، وأُدْخِلَتْ الدلفاء في بيتها وأُدخل جويبر عليها معتماً ، فلمّا رآها نظر إلى بيت ومتاع وريح طيّبة ، قام إلى زاوية البيت فلم يزل تالياً للقرآن راكعاً وساجداً حتّى طلع الفجر ، فلمّا سمع النداء خرج وخرجتْ زوجته إلى الصلاة فتوضّأت وصلّتْ الصبح ، فسُئلت : هل مَسَّكِ ؟

فقالت : مازال تالياً للقرآن وراكعاً وساجداً حتّى سمع النداء فخرج .

فلمّا كانت الليلة الثانية فعل مثل ذلك ، وأَخْفَوا ذلك من زياد ، فلمّا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك ، فأُخْبِرَ بذلك أبوها ، فانطلــق إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فقال له : بابي أنت وأمّي يا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )أَمَرْتَنِي بتزويج جويبر ، ولا والله ما كان من مناكحنا ، ولكن طاعتك أوجبتْ عليّ تزويجه .

فقال له النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ): فما الذي أنكرتم منه ؟

قال : إنّا هيّأنا له بيتاً ومتاعاً، وأُدْخِلَتْ ابنتي البيت وأُدخل معها معتماً ، فما كلّمها ولا نظر إليها ولا دنا منها ، بل قام إلى زاوية البيت فلم يزل تالياً للقرآن راكعاً وساجداً حتّى سمع النداء فخرج ، ثمّ فعل مثل ذلك في الليلة الثانية ، ومثل ذلك في الليلة الثالثة ، ولم يَدْنُ منها ولم يكلّمها إلى أنْ جِئْتُكَ ، وما نراه يريد النساء ، فانْظُر في أمرنا ؟

فانصرف زياد ، وبعث رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )إلى جويبر ، فقال له : أَمَا تقرب النساء ؟

فقال له جويبر : أو ما أنا بفحل ؟! بلى يا رسول الله إنّي لَشَبِق نَهِم إلى النساء .

فقال له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

قد خبّرت بخلاف ما وصفتَ به نفسك ، قد ذكروا لي أنّهم هيّؤوا لك بيتاً وفراشاً ومتاعاً وأُدخلتْ عليك فتاة حسناء عطرة ، وأتيت معتماً فلم تنظر إليها ولم تكلّمها ولم تَدْنُ منها ، فما دهاك إذن ؟

فقال له جويبر : يا رسول الله دخلتُ بيتاً واسعاً ، ورأيتُ فراشاً ومتاعاً وفتاةً حسناء عطرة ، وذكرتُ حالي التي كنتُ عليها ، وغربتي وحاجتي وضيعتي وكينونتي مع الغرباء والمساكين ، فأحببتُ إذْ أَوْلاَنِي الله ذلك أنْ أشكره على ما أعطاني ، وأتقرّب إليه بحقيقة الشكر ، فنهضتُ إلى جانب البيت ، فلم أزل في صلاتي تالياً للقرآن راكعاً وساجداً أشكر الله حتّى سمعتُ النداء فخرجتُ ، فلمّا أصبحتُ رأيتُ أنْ أصوم ذلك اليوم ففعلتُ ذلك ثلاثة أيّام وليالها ، ورأيتُ ذلك في جنب ما أعطاني الله يسيراً ولكنّي سأرضيها وأرضيهم الليلة إنْ شاء الله .

فأرسل رسول الله ( ص ) إلى زياد ، فأتاه وأعلمه ما قال جويبر ، فطابتْ أنفسهم .

قال : وَفَى لهم جويبر بما قال ، ثمّ إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )خرج في غزوة له ومعه جويبر فاستشهد ( رحمه الله )، فما كان في الأنصار أَيِّم أنفق منها بعد جويبر .