تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٦ - في معنى الوجوب والإيجاب
الفعل المأمور به في بعض الأحوال وأين ذلك من وضع الصيغة له بحسب اللغة.
وأمّا ما يجاب عنه أيضا من نفي البأس عن كون مفاد الصيغة هو الوجوب المصطلح ، بمعنى دلالتها على الإلزام الحاصل من العالي الّذي يستحقّ في مخالفته الذّم أو العقاب ، بأن تدلّ على الإلزام وعلى كون القائل بها شخص عال أوجب الفعل على المخاطب ، لجواز كونها بحسب اللغة موضوعة لخصوص « الأمر » وهو الطلب الصادر من العالي المستعلي ، فلا يكون الطلب الصادر من غيره ممّا وضع له اللفظ ، وقضيّة ذلك كون الاستعمال فيه مجازا ، ولعلّه مبتن على ما حكيناه عن بعض الأعلام من تحريره لمحلّ النزاع ، فبما قدّمنا في توهين هذه الدعوى يظهر الوهن في الجواب المذكور.
وإلى ذلك ينظر ما أورد عليه بعض الأفاضل من منع انحصار مدلول الصيغة حقيقة في ذلك ، كيف مع أنّ معظم استعمالاتها اللغويّة والعرفيّة على خلاف ذلك ، فدعوى دلالتها على كون المتكلّم بها ممّن يجب طاعته عقلا أو شرعا موهونة جدّا ، بل دعوى كونها موضوعة لخصوص « الأمر » غير ظاهرة أيضا ، بل الظاهر وضعها للأعمّ من « الأمر » و « الالتماس » و « الدعاء » فليس العلوّ والاستعلاء معتبرا في وضعها أصلا ، وإنّما يعتبر ذلك في كونها أمرا ، كما يعتبر خلافه في كونها التماسا أو دعاء ، وذلك ظاهر بعد ملاحظة الاستعمالات المتداولة كمال الظهور.
كيف ولو لا ذلك لم يكن للطلب الالتماسي والدعائي صيغة موضوعة يكون استعمالها فيهما حقيقة ، مع أنّ الحاجة إليهما في الاستعمالات ودورانهما في المخاطبات إن لم يكن أكثر من « الأمر » فليس بأقلّ منه ، فكيف يتصوّر تخصيص الواضع لوضع صيغة الطلب بالأمر وإهماله لهما.
ثمّ أجاب ذلك الفاضل عن أصل الاعتراض بنحو ما أشرنا إليه ، فقال : بمنع كون المراد بالوجوب هاهنا هو المعنى المصطلح ، بل المراد به الطلب الحتمي بمعنى طلب الفعل على وجه لا يرضى بتركه ، فالصيغة موضوعة له لغة ، فهو إن صدر من العالي أو المستعلي كان أمرا ، وإن صدر من غيره كان التماسا أو دعاءا ، ومدلول الصيغة وضعا شيء واحد في الجميع ، فخصوصيّة « الأمر » و « الالتماس » و « الدعاء » تعرف من ملاحظة حال القائل وليست تلك الخصوصيّات ممّا يستعمل اللفظ فيه ، واستحقاق الذمّ والعقاب على الترك بحسب الواقع إنّما يجيء بعد ثبوت وجوب الإتيان بما يطلبه المتكلّم من الخارج من العقل