المسلمون في النرويج - هدى علي الجابري - الصفحة ٥٤

بدلا من تفسيره، فالشهيد الصدر يرى بأنّ تغيير العالم ملازم لمعنى الوجود، أي يجب إعطاء معنى للعالم لنتمكن من تغييره، ومعنى الوجود هنا له جوانب معرفية وميتافزيقية وأخلاقية، فتغيير العالم من هذا المنظور هو جانب أساسي من جوانب معنى الوجود.

وهكذا ففكرة تغيير العالم في حاجة إلى قيم أخلاقية تستمد منها عملية التغيير معناها وإلزاميتها، ويعتبر هذا الموقف إعادة نظر جذرية للعلوم الاجتماعية ولمفهوم التقدم ومفهوم التنمية كما طرحت في الفكر الغربي، وإعادة النظر هذه ليست ـ في نظر الشهيد الصدر ـ مجرّد ترف فكري، فالبشرية أصبحت في مفترق الطرق، ومصيرها أصبح معلقاً بإعادة النظر ـ بصورة جذرية ـ في رؤيتها إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ.[١]

وقد انبهر الشعب العربي بالعولمة حتى تبنى مقدماتها , وعدها روح التطور والثقافة , مدللا على ذلك في:

ترصيع الكلام بالمفردات الإنكليزية أو غيرها:

حيث أمسى من المفاهيم العامة عند الشاب العربي, إن إدخال المتكلم بعض المصطلحات الإنكليزية أو غيرها في كلامه دليلا على انتمائه للطبقة المثقفة الواعية , وقد يفوت على الكثيرين إن هذه الحالة دليلا على الجهل وليس على الثقافة , فمن لم يستطع التعبير عما يريد بلغته فهو عن غيرها اعجز , إلا إن هذه الحالة شئنا أم أبينا باتت عنوانا على ثقافة حاملها , وقد يلوذ البعض بقولهم أن إدخال المفردات الأجنبية إنما هو من باب البيان , حيث أن الاسم العلمي إنما هو بغير العربية ولذلك يضطر المتكلم لذكره بغير لغته!

والجواب على هذا الادعاء لا يحتاج إلى بذل كثير من الجهد , فقد كانت العربية سباقة إلى جميع العلوم , وقد كتب علمائنا في الطب والفلسفة والتاريخ وغيرها ولم يدخلو كلمة غير عربية , وما زالت كتبهم عند الغربيين أساسا ومنطلقا , ومن جهة أخرى لم تزل اللغة العربية أوسع لغات العالم تعبيرا وتفننا في عرض المعاني بمختلف دلالتها , وعدم قدرة المتكلم عن التعبير بها لا يعني أن غيرها اقدر على البيان منها , بل يعني جهل المتكلم بلغته!

والحق يقال أن المتكلم بغير لغته بين أهله إنما هو متنكر لثقافته لجهله بها , وفي النروج مثلا كما هو الحال في جميع الدول الأوروبية , لم نشاهد من يدخل في لغته مفردات غير نرويجية مع إن ٩٠% من الشعب النرويجي يتكلم اللغة الإنكليزية بالإضافة إلى لغة أخرى كالفرنسية أو غيرها , بل إننا نجد من المظاهر التي تستحق التقدير لهذا الشعب الذي يحمي اصالته , انك لو سالت احدهم بغير اللغة النرويجية في غير الأماكن التي يرتادها السياح , فانه يجيبك باللغة النرويجية مع قدرته على الإجابة بالانكليزية مثلا , ومع علمه بانك لا تفهم لغته , إلا انه يجيبك بلغته دلالة منه على اصالته , مع الأخذ بعين الاعتبار أن الناطقين باللغة النرويجية لا يتجاوزون الخمس ملايين , ولكنهم يعتبرون لغتهم رمزا لا


[١] حول العولمة والنظام الاقتصادي الجديد: د. نبيل مرزوق - مجلة الطريق - العدد ٤ - ١٩٩٧.