المسلمون في النرويج - هدى علي الجابري - الصفحة ٥٢
والفلسفة على حساب إطلاقي الدين وتعالي مصدره، فالعلاج يحتاج إلى فلسفة تستمد رؤيتها من الدين بصورة تعبدية واجتهادية، وهذا ما حاول الصدر تقديمه لا كمجرّد فيلسوف فحسب، بل كمجتهد فلسف عملية الاجتهاد وصاغ لها منهجاً للتعامل مع الواقع المتحرك.
هذا المنهج ـ بدوره ـ ليس من إنتاج العقل وحده، فإطاره العام مستمد من الشريعة، لذلك فهو يملك بعد النظر الذي يُمكنه من معالجة أزمة القيم وأزمة الحضارة.
فالفلسفة الاجتهادية التي صاغها الشهيد الصدر هي فلسفة متحررة إلى درجة كبيرة من العوامل الذاتية ومن ثقل الواقع. هذا في إطارها العام على الأقل وهو إطار تستمده من الدين لا من العقل وحده أو من العوامل الاجتماعية والتاريخية.
أزمة الحضارة الغربية
إنّ أزمة الحضارة الغربية في هذه المرحلة الأخيرة من القرن العشرين ليست كسائر الأزمات التي تتطلب حلولا جزئية في نظر الشهيد الصدر، فالأزمة شاملة وهي ناتجة عن أزمة المرجعية في الأساس: المرجعية في الميدان المعرفي، الذي تعتمد عليه العلوم الاجتماعية في الغرب والمرجعية في الميدان الأخلاقي، فالحضارة الغربية مدفوعة ـ في نظر الشهيد الصدر ـ في صيرورة عمياء غابت فيها كلّ القيم المنظمة لحركة التاريخ.
إنّ هذه الأزمة الشاملة هي أزمة الإنسان، وليست مجرّد أزمة اقتصادية أو ثقافية. وقد حلل الشهيد الصدر هذه الأفكار السابقة في كلّ كتاباته حيث نظر إلى المشكلة الاجتماعية والأخلاقية خارج الإطار السوسيولوجي الوضعي الضيق، واعتبرها كامتداد ونتيجة لأزمة الإنسان الذي فقد معنى وجوده. فالحضارة الغربية أصبحت ـ في نظر الشهيد الصدر ـ بدون أفق مستقبلي يمكّنها من طرح مشروع اجتماعي قادر على أنّ يعيد للإنسان إنسانيته، وهذا راجع إلى أنّ هذه الحضارة دخلت في مرحلة تاريخية يصفها الشهيد الصدر " بالمثل العليا التكرارية " بسبب انقطاعها عن الغيب، أي انقطاعها عن المثل الأعلى الحقيقي، لذلك انتهت الفلسفة الغربية إلى نهاية الفلسفة ونهاية التاريخ ونهاية الإنسان.
لا شك أنّ هذه المفاهيم تؤولها الفلسفة الغربية (ماركس، هيجل، فوكوياما) انطلاقاً من اعتبار الحضارة الغربية حضارة كونية، ونموذجها الفكري والسياسي نموذجاً كونياً لا يمكن أن يتجاوزه أي نموذج آخر، في حين أنّ الشهيد الصدر ينظر إلى مفهوم النهاية كنهاية لنموذجية الحضارة الغربية، التي نفدت طاقاتها، لأنّها ارتبطت بمثل عليا نسبية كالجمهورية والقومية والشيوعية إلى غير ذلك من الأهداف التي يتصورها الإنسان، ويعتبرها بديلا عن المطلق الحقيقي، لذلك تاهت الحضارة الغربية ـ في نظر الشهيد الصدر ـ في الجزئيات وفي النظرة التجزيئية، التي فتتت وحدة الإنسان. فالسياسة المنقطعة عن القيم الدينية والأخلاقية أصبحت محددة في الإطار الضيق للسلطة والحكومة والمواطن. في حين أنّ السياسة في فلسفة الشهيد الصدر تدمج في حركة البشرية عبر التاريخ، أي تدمج في أُفق