المسلمون في النرويج - هدى علي الجابري - الصفحة ٥٨
إلا إن التاريخ الدموي الذي خلفته الحروب الصليبية وحروب الاستعمار كون عند المسلمين صورة سلبية تماما عن أهل الكتاب , لا سيما الغربيين , كونهم منطلق الحملات الدموية التي شهدها التاريخ , إلا إن الجانب الشرعي كان مغيبا تماما , واعني بالجانب الشرعي هو الموقف الإسلامي الأصيل تجاه أهل الكتاب , فربما نجد عند بعض المسلمين إن مفهوم الإسلام هو محاربة الكفار الذين يعتبر أهل الكتاب من اوائلهم , وهذا المفهوم بعيد عن روح الشرع , إذ إن محاربة أهل الكتاب لا تصح إلا بشروط تكفلت كتب الفقه ببيانها, إلا إن هناك حقيقة يغفلها الكثير من المسلمين , وهي أن الإسلام هو آخر الديانات , ومعنى هذا انه جاء وفق جميع المعايير المتصورة بالنسبة إلى الفئات الأخرى , ولا يصح فرض شرطية القتل والقتال فيه دون معايير معينة, وإذا رجعنا إلى النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة , فإننا نجد حقيقة ظاهرة مفادها أن الإسلام لم يشرع القتل والقتال إلا دفاعا,ولم يشهد النبي ص حربا إلا دفاعا , والدفاع يتصور على وجوه:
الأول: الدفاع عن النفس:
وهو دفاع مشروع أقرته جميع الأديان الشرعية والقوانين الوضعية , ولا يعتبر القتال فيه بالنسبة إلى المدافع جورا , بل حق لا ينكره احد.
الثاني: الدفاع رفعا للظلم عن القبيلة أو المدينة أو البلد:
وهذا كسابقه لا يختلف في مشروعيته اثنان , حيث يعتبر راد الظلم عن قبيلته أو مدينته أو بلده , صاحب حق مشروع في دفاعه عن حقوقه المشتركة.
الثالث: الدفاع عن حق الإنسان:
وهو مما اتفق عليه بنفسه , إلا إن الاختلاف وقع في مصاديقه , وقد ذهب المسلمون إلى أن المولى هو صاحب الصلاحية الأولى في تحديد حقوق هذا الإنسان , لأنه هو الذي خلقه , وخبر ظاهره وباطنه, ومن أول اولويات هذا المنهج التوحيد , حيث ينتسب الكل إلى سلطة واحدة تحفظ بها الدماء وتصان بها الأعراض وهي كلمة لا اله إلا الله ,إذ اعتبرها الإسلام كمال الإنسان, وتمام نعمته , وضمان حقوقه, ومنطلق تقدمه, وقد اثبت التاريخ ضرورتها, وثبتت صحتها , والتي من ابسط امثلتها اجتماع الملايين من بني البشر من أعراق شتى في كل عام في بيت الله,وقد امن بعظهم إلى البعض الأخر وسادت بينهم المودة والأمان,لا لمعرفة سابقة , بل لتوحدهم عند سلطان واحد, تحت كلمة واحدة وهي لا اله إلا الله.
أما غير المسلمين فهم على مذاهب شتى والتي من أظهرها وأكثرها شيوعا مذهب الغربيين , حيث يرون أن حق الإنسان الذي يلزمه والذي يصح له أن يدافع عنه , هو كل ما يريد هذا الإنسان أن يفعله , فليس هناك من محذور عليه بالنسبة إلى نفسه , فمن حقه أن يفعل ما يشاء أو يقول ما يشاء , وإجبار الفرد بالالتزام بعقيدة معينة , كتوحيد الله أو غيره مناف لحقوق هذا الفرد.
ومن هنا كانت الصورة الواسعة عن المسلمين بأنهم اقرب إلى القتل والقتال , لما يبدونه من شدة لمن لم يعتنق التوحيد , غير أن حقيقة الأمر إن كلمة التوحيد التي يقاتل من اجلها المسلمون هي الوحيدة القادرة على لجم الحروب وحقن الدماء , وعلى كل حال فان الإسلام ليس من مهماته القتال إلا دفاعا كما ذكرنا , بل أن