المسلمون في النرويج - هدى علي الجابري - الصفحة ٥٣

مصير الإنسان وتطلعه إلى الله.

وقد تحققت توقعات الشهيد الصدر في واقع الحياة الغربية، فالشهيد الصدر يرى أنّ الإنسان مدفوع بفطرته إلى الارتباط بمثل أعلى حقيقي أو مزيف، وهذا ما وقع وما يقع في هذه السنوات في الغرب حيث إنّ الغربيين بدلوا يلجأون إلى النزعات الروحية الشرقية كالبوذية وغيرها لإشباع تطلعهم إلى المطلق، وتعتبر هذه الظاهرة تأكيداً لفلسفة الشهيد الصدر، فالإنسان يسعى ـ في نظر الشهيد الصدر ـ إلى إعطاء معنى لوجوده، فلجوء المجتمعات الغربية إلى النزعات الروحية هو إرضاء لتساؤل الإنسان حول معنى الوجود.

ويرى الشهيد الصدر في هذا السياق أنّ النزعة الإنسانية التي حرّرت الإنسان من ظلمات القرون الوسطى وفتحت أمامه مجالا واسعاً للأخوة الإنسانية، إن هذه النزعة الإنسانية كانت منذ البداية تحمل في ذاتها أسباب أزمتها، لأنّها لم تكن مؤسسة على أساس يعطيها معنى. إنّ أزمة النزعة الإنسانية تعبر ـ في نظر الشهيد الصدر ـ عن أزمة الرؤية إلى الإنسان ودوره في الوجود، فالأزمة هي أزمة الإنسانية التي سلمت نفسها ومصيرها لحركة التاريخ.

الحل موجود خارج الإنسان وخارج التأريخ

إنّ أزمة الإنسان تتطلب ـ في نظر الشهيد الصدر ـ حلاًّ يستمد أساسه المعرفي والأخلاقي خارج الإنسان وخارج التاريخ، فالدين هو الذي يحلّ المشكلة الاجتماعية والأخلاقية، التي تتخبط فيها البشرية في نظر الشهيد الصدر، فالبشرية عجزت عن إيجاد الحل، فهي تنتقل في المجالين النظري والعملي من أزمة الرأسمالية إلى أزمة الاشتراكية الماركسية، إلى أزمة النزعة العلمية والنزعة الإنسانية إلى أزمة الكنيسة، التي جعلت من المسيحية ديناً كونياً، في حين أنها جاءت لتعالج وضعية معينة في مرحلة تاريخية معينة وفي مكان معين.

ويرى الشهيد الصدر أنّ الأزمة التي تعاني منها الحضارة الغربية هي أكبر وأخطر أزمة في تاريخ البشرية، والأخطر من ذلك أنّ الحلول التي قُدمت لهذه الأزمة هي مجرّد انعكاس لها، فالتغيير الجذري مستحيل في نظر الشهيد الصدر، لأنّه لا يمكن عن طريق مثل عليا تكرارية.

أن تتصور الفلسفة الغربية واقعاً آخر غير الواقع القائم، فضعف الفلسفة الغربية المعاصرة يكمن ـ في نظر الشهيد الصدر ـ في عجزها عن استيعاب الواقع، فهي انطلاقاً من أساسها المعرفي مجرّد انعكاس للواقع وللتاريخ، لذلك لا يمكن لهذه الفلسفة أن توجه التاريخ.

ويطرح الشهيد الصدر في هذا السياق نظرية المعرفة التي تتمتع بالقوة الاستيعابية، والتي تسمح لها بتوجيه التاريخ، وهي نظرية للمعرفة تربط العقل بالغيب، لا من موقع لاهوتي بمفهوم النظرية اللاهوتية، بل من موقع انفتاح العقل على المطلق، كما أنّ نظرية المعرفة عند الشهيد الصدر تعتمد على المبادئ والمفاهيم الدينية كأدوات استكشافية توجه العقل في تنظيره للحياة الاجتماعية.

لقد قلب الشهيد الصدر نظرية ماركس رأساً على عقب عندما ركز كلّ التغيرات الاجتماعية على معنى الوجود. فإذا كانت الماركسية ترى بأنه يجب تغيير العالم