نفحات الاعجاز - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٠ - الأمر الخامس في إبطال ما توهّم أنّه دليل على عدم بلاغة القرآن الكريم
للتدلّي من الأعلى إلى الأدنى».
و الجواب:إنّ مقتضى الحال هو تقديم السنة على
النوم دون العكس و إن كان الكلام نفيا،لأنّ الأخذ بمعنى الغلبة،فالمناسب في
الاستقصاء أن تنفي أوّلا غلبة الضعيف و هي السنة،ثمّ تنفي غلبة القويّ و
هو النوم،دون العكس،كما لا يخفى على غير البسطاء،كما تقول: لا يغلبك عشرة
رجال و لا مائة،فإنّه لو قدّم المائة التي هي المرتبة العليا لزم التكرار و
الزيادة في ذكر العشرة التي هي المرتبة السفلى.
و منه ما توهّم اللحن من نصب المرفوع في قوله تعالى:
{ (و الْمُوفُون بِعهْدِهِمْ إِذا عاهدُوا و الصّابِرِين
فِي الْبأْساءِ و الضّرّاءِ و حِين الْبأْسِ) } [١].
و الجواب:إنّ النصب على المدح شائع معروف في اللغة العربية،و قد صرّح بذلك جملة من أهل الأدب،و ترجيح { (الصّابِرِين) } في الآية على قوله: { (الْمُوفُون بِعهْدِهِمْ) } من
جهة أنّ الوفاء بالعهد-مع كونه حسنا-يعمّ جميع أصناف الرجال مع اختلافهم
من حيث النقص و الكمال،و أمّا الصبر-المذكور في الآية-فلا يتّصف به إلاّ من
كان في أعلى مراتب العقل و الإيمان.
و من ذلك تعرف شطط قوله:«لأنّ قوله: { (الْمُوفُون بِعهْدِهِمْ) } أولى منها لتقدّمها،و نفع الوفاء بالعهد ليس بأقلّ من نفع الصبر».
و منه تعرف سقوط اعتراضه على نصب { (حمّالة الْحطبِ) } [٢]، مع أنّ النصب على الذمّ يساوق النصب على المدح عند البلغاء في فوائده.
[١]سورة البقرة ٢:١٧٧.
[٢]سورة اللهب ١١١:٤.