نفحات الاعجاز - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٩ - الأمر الخامس في إبطال ما توهّم أنّه دليل على عدم بلاغة القرآن الكريم
و قد أقسم القرآن بالبلاد المقدّسة تعظيما لشأنها،و كنّى بالتين و الزيتون عن منبتهما و هي الأرض المقدّسة،أرض الموعد..
و التين فاكهة شهية و غذاء يتقوّت به الإنسان من دون مشقّة و عمل، فقدّم
على الزيتون إشعارا بفضله،فإنّ عناية القرآن إنّما هي بمهمّات البلاغة من
جهة المعاني لا بتزويق الألفاظ بالسجع الفارغ،فانظر إلى شطط«حسن الإيجاز»في
هذا المقام.
و منه ما توهّم من ضعف التأليف و التعقيد في قوله تعالى: { (أنْزل على عبْدِهِ الْكِتاب و لمْ يجْعلْ لهُ عِوجاً `قيِّماً) } [١]بتوهّم
أنّ «قيّما»حال من الكتاب،و الواو في«و لم يجعل»للعطف،مع غفلته عن أنّه لا
لزوم في هذا التحكّم،بل تكون الواو حالية و«قيّما»حالا بعد حال،أو حالا من
ضمير«له»،و معنى القيم:كونه قائما بامور العباد في المعارف و الشريعة و
الإرشاد و الإنذار،كما يقال:قيّم المرأة و قيّم اليتيم و قيّم القوم.
و منه ما توهّم من تقديم ما يقتضي الحال تأخيره في قوله تعالى: { (الرّحْمنِ الرّحِيمِ) } [٢]قال:«فإنّ
الكلام موجب فيقتضي تقديم أدنى الوصفين للترقّي من الأدنى إلى الأعلى»و
الجواب:إنّ صيغة «فعلان»و إن كانت للمبالغة إلاّ أنّ في صيغة«فعيل»ما ليس
فيها،و هو الدلالة على كون الوصف ذاتيا للموصوف كالعليم و القدير.
و منه ما توهّم من تأخير ما يقتضي الحال تقديمه في قوله تعالى: { (لا تأْخُذُهُ سِنةٌ و لا نوْمٌ) } [٣]قال:«و المقتضى:نوم و لا سنة،
[١]الكهف ١٨:١.
[٢]الفاتحة ١:٣.
[٣]البقرة ٢:٢٥٥.