العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام - الحسّون، فارس - الصفحة ١١

العلاقة مع الآخر... والتقية:

إن التقية قبل أن تكون مفهوماً تشريعياً يعتمد على القرآن والسنة، فهي مسألة وجدانية يقرّها العقل والفطرة.

التقية بمفهومها الخاصّ عند مختلف المذاهب الاسلامية، وبمفهومها العام عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، هي نوع من أنواع العلاقة مع الآخر، وتبيين لطرح الوسطية في الإسلام للعلاقة مع الآخر.

الآخر الذي يخالفنا في الرأي، إما أن يكون موضوعياً في البحث والخطاب الديني، متفهماً لشروط الحوار، وله ثقافة رفعية المستوى في استيعاب من خالفه الرأي، فهذا النوع من البشر تكون معه التقية بمفهومها المداراتي والمقابلة بالمثل والتأكيد على احترامه، وإن الاختلاف معه في الرأي لا يوجب القطيعة، ولابدّ من ترك المنفرات في ذلك.

روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: "رحم اللّه عبداً اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، فحدّثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون"[١].

والآخر الذي يخالفنا في الرأي، الذي بيده القدرة والسطوة، ولا يتسم بالموضوعية في قبول من يخالفه في المعتقد، ويستعمل ما عنده من قدرة وسلطة لفرض معتقده ورأيه على من خالفه، فهذا النوع من البشر تكون التقية معه بمفهومها الحقيقي الذي لأجله شرّعت التقية.

إذن، التقية هي نوع من المداراة في المعاملة مع الآخر السلبي، والآخر صاحب القدرة على إيصال الأذى باستعمال العنف، وليست هي تنزل عن المعتقد أو تركه وتغييره.

وبناءً على هذا، فالتقيّة مسألة عقلية وجدانية عامة لا تختص بدين دون آخر أو معتقد دون غيره، فهي مسألة وجدانية يستعملها الكل في حالات معينة ومواقف اضطرارية موقتة إلى أن يرتفع المانع.


[١] الشخ الصدوق: الخصال ص٢٥ ح٨٩.