المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢٩٥
ولا يحسن أن يُذهب في هذا إلى قول الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعِل يفعِل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه في قولهم: هذا أَتيه منه وأَطيح منه، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة الناس: "إلَّا إحْدى"[١] غير ابنت محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط الهمزة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى في قراءة ابن محيصن أيضًا في سورة الأعراف.
ومن ذلك قراءة: {مَغَارَاتٍ} [٢]، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: "مُغَارات".
قال أبو الفتح: أما "مغارات" على قراءة الناس فجمع مَغارة أو مَغار، وجاز أن يجمع مغارات بالتاء وإن كان مذكرًا لأنه لا يعقل، ومثله إوان[٣] وإوانات، وجمل سِبَطر[٤] وجِمال سِبطرات، وحمَّام وحمامات. وقد ذكرنا هذا ونحوه في تفسير ديون المتنبي عند قوله:
ففي الناس بُوقاتٌ لها وطبول٥
ومَغار مَفْعَل من غار الشيء يغور.
وأما مُغَارات فجمع مُغَار، وليس من أَغرت على العدو؛ ولكنه من غار الشيء ويغور، وأَغرته أنا أُغيره، كقولك: غاب يغيب وأَغَبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو أمكنة يُغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح.
ويؤكد ذلك قراءة مسلمة[٦] بن محارب: "مُدْخَلًا"[٧] أي: مكانًا يُدخلون فيه أنفسهم، ورويت عن أبي بن كعب[٨]: "أو مندخلًا"، وهو من قول الشاعر:
[١] سورة التوبة: ٥٢.
[٢] سورة التوبة: ٥٧.
[٣] الإوان: الإيوان؛ وهو الصفة العظيمة.
[٤] جمل سبطر: طويل على وجه الأرض.
٥ صدره:
إذا كان بعض الناس سيفًا لدولة
من قصيدة في مدح سيف الدولة. الديوان: ٢/ ٨٧.
[٦] هو مسلمة بن عبد الله بن محارب، أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءة. قال ابن الجزري: لا أعلم على مَن قرأ. قرأ عليه شهاب بن شرنفة، وكان مع ابن أبي إسحاق وأبي عمرو بن العلاء. وكان من العلماء بالعربية. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٩٨.
[٧] سورة التوبة: ٥٧.
[٨] هو أبي بن كعب بن قيس، أبو المنذر الأنصاري المدني، سيد القراء بالاستحقاق، وأقرأ هذه الأمة على الإطلاق. قرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم، وقرأ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض القرآن للإرشاد والتعليم، وقرأ عليه ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن السائب وغيرهم. واختلف في موته؛ فقيل: سنة ٢٩، وقيل: سنة ٢٠، وقيل غير ذلك، واختار ابن الجزري أنه مات قبل مقتل عثمان بجمعة أو شهر. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١.