المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٦٦
يريد: عُنْصُرِي بتخفيف الراء، غير أنه "٣٧ظ" ثقَّلها كما يفعل في الوقف، نحو: خالدّ وجعفرّ، وإذا جاز أن يُنوى الوقف دون المضمر المجرور، وهو على غاية الحاجة -للفطه عن الانفصال- إلى ما قبله جاز أيضًا أن يعترض هذا التلوم والتمكث دون المظهر المضاف إليه؛ أعني: قوله: "آلاف"؛ بل إذا جاز أن يعترض هذا الفتور والتمادي بين أثناء الحروف من المثال الواحد نحو قوله:
أقول إذ خَرَّت على الكَلْكالِ ... يا ناقتا ما جُلْت من مجالِ١
وقوله فيما أَنشدناه:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة٢
يريد: ينبع. وقوله أُنشدناه:
وأنت من الغوائل حين تُرْمى ... ومن ذم الرجال بِمُنْتَزَاح٣
يريد: منتزَح مُفْتعَل من نزح، كان التأني والتمادي بالمد بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنهما في الحقيقة اسمان لا اسم واحد أمثل، ونحوه قراءة الأعرج عن ابن أبي الزناد: "بثلاثهْ آلاف" بسكون الهاء، وقد ذكرناه فيما قبل، فهذا تقوية وعذر لقراءة أبي سعيد، وقد أفردناه في الخصائص[٤] بابًا قائمًا برأسه، وذكرناه أيضًا في هذا الكتاب.
ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "قَرَحٌ"[٥] بفتح القاف والراء.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرْح، وقرَح، كالحلْب والحلَب، والطرْد والطرَد، والشل والشلل. وفيه أيضًا قُرْح على فُعْل، يقرأ بهما جميعًا[٦].
١ البحر المحيط ٣/ ٥٠، واللسان "كلكل". الكلكل: الصدر، أو ما بين الترقوتين، أو باطن الزور.
٢ عجزه:
زيافة مثل الفَنيق المكدَم
والبيت لعنترة من معلقته. الذفرى: ما خلف الأذن، الجسرة: الناقة الموثقة الخلق، زيافة: شديدة التبختر، الفنيق: الفحل من الإبل، المكدم: المعضض. شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٤٤.
٣ لابن هرمة يرثي ابنه، وقيل: يمدح بعض القرشين، وكان قاضيًا.
ويروى: "حيث" مكان "حين"، و"تنمى" مكان "ترمى".الغوائل: جمع غائلة؛ وهي الفساد والشر، وقيل: الدواهي, وترمى بالبناء للمفعول، بمنتزاح: أي ببعد. سر صناعة الإعراب: ٢٩، وشواهد الشافية: ٢٥، والخصائص: ٢/ ٣١٦، ٣/ ١٢١.
[٤] انظر: الخصائص: ٣/ ١٢١-١٢٤.
[٥] سورة آل عمران: ١٤٠.
[٦] قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف بضم القاف ووافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بالفتح. إتحاف فضلاء البشر: ١٠٨.