المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢٦٧
وأما "بِئِس" فعلى الإتباع مثل: فِخِذ وشِهِد. قال أبو حاتم في قراءة بعضهم: "بِئيَس"، فهذا في الصفة بمنزلة حِذْيم[١] فِعْيَل، وكذا مثَّله أبو حاتم أيضًا.
وحكى أبو حاتم أيضًا "بِئِيس" كشِعِير وبِعِير، فكسر أوله لكسر الهمزة بعده.
وحكى أيضًا فيها "بَئِّس" فَعِّل، وأنكرها فردها ألبتة، وأنكر قراءة الحسن: "بِئْس" وقال: لو كان كذا لما كان بُدٌّ معها من "ما" بئِسما كنعم ما.
ومن ذلك قراءة زهير عن خُصَيف: "مِنْ ظُهورهم ذُرِّيئَتَهم"[٢] واحدة مهموزة.
قال أبو الفتح: هذا يمنع مِن تَأَوُّل الذرية فيمن لم يهمز أنها من الذر أو من ذَرَوت أو من ذَرَيْت، ويقطع بأنها من ذَرَأْتُ؛ أي: خلقتُ.
فإن قلت: فهلا أجزْتَ أن تكون من الذَّر وجعلتها فُعْلِيَّة غير أنها همزت كما وجد بخط الأصمعي: قَطًا جؤني[٣].
قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يُسمع أصلًا، فضلًا عن "٦٥و" أن يتخذ قياسًا.
ومن ذلك قراءة السلمي: "وادَّارسُوا ما فيه"[٤]، وعباس عن الضبي عن الأعمش: "وادَّكَروا ما فيه".
قال أبو الفتح: "ادَّارسُوا" تدارسوا، كقوله: "ادَّاركوا"[٥]، والعمل فيهما واحد، وقد تقدم.
[١] الحذيم: القاطع.
[٢] سورة الأعراف: ١٧٢.
[٣] القطا الجوني: ضرب من القطا سود بطون الأجنحة والقوادم، قصار الأذناب، وأرجلها أطول من أرجل الكدري، وأجسامها أضخم، تعدل جونية بكدريتين، وفي الأصل: جونيء، وهو تحريف؛ ففي المخصص ٨/ ١٥٧ قال -يعني: أبا حاتم: ووجد في بعض رقاع الأصمعي بعد موته: بعض العرب يهمز الجوني، ولم يقله غيره. الفارسي: هو على توهم الضمة التي في الجيم واقعة على الواو. ومثله قراءة مَن قرأ: "فاستوى على سؤقه". وحُكي عن أبي العباس أنه قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة ...
وفي اللسان مثله نقلًا عنه بتصرف، وانظر الخصائص: ٣/ ١٤٦، وكأن وجه المشابهة التي عقدها ابن جني بين ذريئتهم وجؤني هو مطلق الهمز القليل في كلتا الكلمتين، دون تقيد بنوع الحرف المهموز ولا بمكانه من الكلمة التي جاء فيها.
[٤] سورة الأعراف: ١٦٩.
[٥] سورة الأعراف: ٣٨، وانظر الصفحة ٢٤٧ من هذا الجزء.