المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٩١
وقد أفردنا في كتاب الخصائص بابًا في أن صاحب اللغة قد يعتبر لغة غيره ويراعيها[١]؛ فأغنى عن إعادته هنا.
ومن ذلك قراءة أبي السَّمَّال، رواها أبو زيد فيما رواه ابن مجاهد: "وَالَّذِينَ هَادَوْا"[٢] بفتح الدال.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون فاعَلوا من الهداية؛ أي: رامُوا أن يكون أهدى من غيرهم، كقولك: رامَوْا من رميت[٣]، وقاضَوْا من قضيت، وساعَوْا من سعيت، فيقول في مصدر هادَوا: مهاداة؛ كقاضوا مقاضاة، وساعوا مساعاة، وقد هودِي الرجل يُهَادى مهاداة، إذا كان حوله من يمسكه ويهديه الطريق، ومنه قولهم في الحديث: "مر بنا يهادى بين اثنين"، ومنه قوله:
من أن يرى تهديه فتـ ... يان المقامة بالعشيه٤
ومن ذلك قراءة قتادة: "وَإِنْ مِنَ الْحِجَارَةِ"[٥]، وكذلك قراءته: "وَإِنْ مِنْهَا"[٦] مخففة.
قال ابن مجاهد: أحسبه أراد بقوله مخففة الميم؛ لأني لا أعرف لتخفيف النون معنى.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أن التخفيف في إِنَّ المكسورة شائع عنهم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} [٧]، {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} [٨] أي: إنهم على هذه الحال. وهذه اللام لازمة مع تخفيف النون
[١] انظر: الخصائص: ١٤.
[٢] سورة البقرة: ٦٢.
[٣] في نسختي الأصل: راميت، وهو مخالف لسياق الكلام.
٤ لزهير بن جندب الكلبي، وقبله:
والموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيه
ويُروى بيت الشاهد:
من أن يرى الشيخ البجا ... ل وقد يهادى بالعشيه
ويروى "وليهلكن" مكان "فليهلكن". ورجل بجال وبجالة وبجولة: وهو السيد العظيم مع جمال ونبل، وقد بجل ككرم بجالة وبجولة. وانظر: المعمرين: ٢٦، وطبقات الشعراء للجمحي: ٢.
[٥] سورة البقرة: ٧٤.
[٦] أي: من قوله تعالى: "وَإِنْ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" سورة البقرة: ٧٤.
[٧] سورة الفرقان: ٤٢.
[٨] سورة القلم: ٥١.