المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٦٩
الأخرى التي ذكرها أبو الحسن وهي قوله: "أَلَمْ يَأْتِك"، وعليه أيضًا ما وجه بعضهم قوله:
كأن لم ترا قبلي أسيرًا يمانيا١
قال: أراد لم ترَ، ثم أشبع الفتحة فأنشا عنها ألفًا.
فإذا جاز ذلك ساغ الضم في الهاء أيضًا على أصل ضمتها.
فإن قلت: فهل يجوز أن تقول: إنه لم يعتدد بالياء لما كانت زائدة مجتلبة للإشباع، فجرت لذلك مجرى ما ليس موجودًا، كما أن من مد "أوائل" إتباعًا كما ترى، على حد قوله:
نفي الدنانير تنقادُ الصياريف٢
قال على هذا: أَوائيل، أقر الهمزة بحالها بدلًا من واو أواول؛ لبعدها من الطرف بالياء الحاجزة؛ لأن هذه الياء لَحَقٌ[٣] ونَيِّفٌ مجتلبة للإشباع، وليست لها عصمة ولا مُسكة، فجرت مجرى المنفردة ألبتة، كما يهمز فيقول: أوائل، فكذلك يهمز، فتقول: أوائيل، ولا يحفل بالياء حاجزًا لما ذكرنا، ولا يجرى عندي مجرى ياء طواويس ونواويس؛ إذ كانت الياء هناك ثابتة القدم؛ لكونها بدلًا من واو ناووس وطاووس الثانية؟
فالجواب: أنه إن ذهب إلى هذا على ما رمته كسر الهاء أيضًا؛ وذلك أن أقصى ما في
١ صدره:
وتضحك مني شيخة عبشمية
والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وكان أسر يوم الكلاب، أسرته التيم، قال أبو علي القالي: "قال الأخفش: رواية أهل الكوفة: كأن لم ترن قبلي، وهذا عندنا خطأ، والصواب: ترى، بحذف النون علامة الجزم".
وفي المغني أن أبا علي خرجه "فقال: أصله ترأى بهمزة بعدها ألف، كما قال سراقة البارقي:
أُرى عيني ما لم ترأياه
ثم حذفت الألف للجازم، ثم أبدلت الهمزة ألفًا لما ذكرنا، ويريد "بما ذكرنا" إجراء المحرك مجرى الساكن وعكسه. انظر: ذيل الأمالي: ١٣١ وما بعدها، وسر صناعة الإعراب: ١/ ٨٦، والمغني وحاشية الأمير عليه: ١/ ٢٠٠، ٢٠١.
٢ صدره:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
والبيت للفرزوق، ويروى "الدراهيم" مكان "الدنانير"، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، والتنقاد: النقد؛ وهو تمييز الدراهم، يصف ناقته بسرعة السير في الهواجر، فيقول: إن يديها لشدة وقعها في الحصى تنفيانه فيقرع بعضه بعضًا، ويسمه له صليل كصليل الدراهم، إذا انتقدها الصير فنفى رديئها عن جيدها. انظر: الخصائص: ٢/ ٣١٥، والكتاب: ١/ ١٠، والخزانة: ٢/ ٢٥٥.
[٣] لحق: يريد لاحقة، قال في الأساس: "وهو من اللحق: من اللاحقين".