المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣٥٨
اللغة هكذا طريق صنعتها وملاءمة أجزائها وضم نَشَرِها وشتاتها، فإن لم تطبَن[١] لها وتُلاقِ بين متهاجراتها بَدَّت[٢] فِرقًا، وكانت حرية لو لاطفْتَها بالتعانق والالتقاء فرفقًا رفقًا، لا عُنفًا ولا خُرقًا.
ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى وابن عباس وأبي -رضي الله عنهم- وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد بخلاف والحسن بخلاف وعبد الرحمن بن أبي بكرة وابن أبي إسحاق والضحاك والحكم بن عتيبة، ورُويت عن الأعمش: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ"[٣]، وقرأ: "ومِنْ عِنْدِهِ" بكسر الميم والدال والهاء "عُلِمَ الكتابُ" بضم العين وفتح الميم علي وابن السميفع "٨٦ط" والحسن. وقراءة الجماعة: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .
قال أبو الفتح: مَن قرأ: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ" فتقديره ومعناه: من فضله ولطفه علم الكتاب، ومَن قرأ: "وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ" فمعناه معنى الأول، إلا أن تقدير إعرابه مخالف له؛ لأن من قال: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ" فـ "من" متعلقة بمحذوف، "وعلمُ الكتاب" مرفوع بالابتداء، كقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [٤]. ومن قال: "وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ" فـ"من" متعلقة بنفس "عُلم"، كقولك: من الدار أُخرج زيد؛ أي: أخرج زيد من الدار، ثم قَدَّمتَ حرف الجر. وقراءة الجماعة: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} فالعلم مرفوع بنفس الظرف؛ لأنه إذا جرى الظرف صلة رفع الظاهر لإيغاله في قوة شبهه بالفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه.
[١] كذا في ك. وطبن له كفرح وضرب: فطن. وفي الأصل "تطبق" بالقاف، وهو تحريف.
[٢] بدَّت: تباعدت، وتنافرت.
[٣] سورة الرعد: ٤٣.
[٤] سورة البقرة: ٧٨.