المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣٥٦
التي لا يعتد عليهم بتسليطها عليهم، وهذا أسهل طريقًا، وأرسخ في الاعتداد بالنعمة عليهم عروقًا.
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف: {شَدِيدُ الْمَحَالِ} [١] بفتح الميم.
قال أبو الفتح: "الْمَحَال" هنا مَفْعَل من الحِيلة. قال أبو زيد: يقال: ما له حِيلة ولا مَحَالة؛ فيكون تقديره: شديد الحِيلة عليهم، وتفسيره قوله سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [٢]، وقوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [٣]، وقال: {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [٤]، والطريق هنا واضحة.
ومن ذلك قراءة أبى مِجْلَز: {بِالْغُدُوِّ وَالْإيصَالِ} [٥].
قال أبو الفتح: هو مصدر آصلْنَا: دخلنا في وقت الأصيل "٨٦و" ونحن مُؤصلون. وقد ذكرنا هذا فيما مضى من الكتاب.
ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب: "فَنَعْم عُقْبى الدارِ"[٦].
قال أبو الفتح: أصل قولنا: نِعْم الرجل ونحوه نَعِمَ كعَلِمَ، وكل ما كان على فَعِل وثانيه حرف حلقى فلهم أربع لغات، وذلك نحو: فخِذ، ومَحِك[٧]، ونَغِر[٨]، بفتح اللام وكسر الثانى على الأصل. وإن شئت أسكنت الثانى وأقررت الأول على فتحه فقلت: فَخْذ، ومَحْك، ونَغْر. وإن شئت أسكنت ونقلت الكسرة إلى الأول فقلت: فِخْذ، ومِحْك، ونِغْر. وإن شئت أتبعت الكسر الكسر فقلت: فِخِذ، ومِحِك، ونِغِر. وكذلك الفعل نحو: ضَحِك، وإن شئت
[١] سورة الرعد: ١٣.
[٢] سورة الأعراف: ١٨٢.
[٣] سورة آل عمران: ٥٤.
[٤] سورة الأنفال: ٢٤.
[٥] سورة الرعد: ١٥.
[٦] السورة السابقة: ٢٤.
[٧] من محك كمنج: بمعنى لج.
[٨] من نغر عليه كفرح: غلا حسوفه وغضب.