المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣٣٨
أي: خذي السيف.
فأما قول الله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} [١]، فحديث غير هذا وتصريف سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه في كتاب الخصائص[٢].
وأما "هُيِّئْتُ لك" ففعل صريح كهِئْتُ لك، كقولك: أُصْلِحْتُ لك؛ أي: فدونك، وما انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هَيْتَ وهَيْتِ وهِيتَ وهَيْتُ كتعلقها بنفس هلم من قولهم: هَلُمَّ لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إرادتي لذلك.
فأما "هئتُ لك" و"هيِّئتُ" فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أُصْلِحْتُ لكذا وصَلَحْت لكذا.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة بخلاف وابن أبي إسحاق ونوح[٣] القارئ ورُويت عن أبي رجاء: "من قُبُلُ"[٤]، و"من دُبُرُ"[٥] بثلاث ضمات من غير تنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكونا غايتين؛ كقول الله سبحانه: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [٦] كأنه يريد: وقَدَّت قميصه من دُبُره، وإن كان قميصه قُدَّ من قُبُله، فلما حذف المضاف إليه -أعني: الهاء، وهي مرادة- صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم في قول الله سبحانه: {مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ، فبنَى هنا كما بُني هناك على الضم، ووَكَّد البناء أن قُبُل ودُبُر يكونان طرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق:
يُطَاعِن قُبْلَ الخيل وهو أمامَها ... ويطعنُ عن أدبارها إن تولَّتِ٧
وقال الله سبحانه: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ"[٨] فنصبه على الظرف، وهو جمع دُبُر.
[١] سورة الحاقة: ١٩.
[٢] في الخصائص: ٣/ ٣٤-٥١ بحث عنوانه: "باب في تسمية الفعل".
[٣] من رواة الحروف المتصدرين بعد أبي عمرو بن العلاء.
[٤] سورة يوسف: ٢٦.
[٥] السورة السابقة: ٢٧.
[٦] سورة الروم: ٤.
٧ ليس في ديوان الفرزدق.
[٨] سورة الطور: ٤٩، وفتح الهمزة مروي عن المطوعي، وقراءة الجمهور بكسرها. الإتحاف: ٢٤٨.