المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣٣٥
بحجته"[١]؛ أي: أنهض بها وأحسن تصرفًا فيها. وليس من اللحن الذي هو إفساد الإعراب، ذلك حديث غير هذا، وقد تقصيت هذا المذهب في الخصائص، فليُطلب هناك[٢].
ومن ذلك ما رواه عيسى بن ميمون عن الحسن أنه قرأ: "وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عُشًا يَبْكُونَ"[٣]، قال: عُشْوًا من البكاء.
قال أبو الفتح: طريق ذلك أنه أراد جمع عَاشٍ، وكان قياسه عُشاةً كماشٍ ومُشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفًا وهو يريدها، كقوله:
أبلغ النعمان عني مأْلُكًا ... أنه قد طال حبسي وانْتِظَارْ٤
أراد: مأْلُكَة، فحذف الهاء. وقد تقصينا ذلك في أماكن من كتبنا، وفيه بعد هذا ضعف؛ لأن قَدْرَ ما بَكَوْا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان.
ويجوز أن يكون جمع عِشْوة: أي ظلامًا، وجمَعه لتفرِّق أجزائه كقولهم: مُغَيْربانَات[٥] وأُصَيْلَال[٦]، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا:" "بِدَمٍ كَدِبٍ"[٧] بالدال.
قال أبو الفتح: أصل هذا من الكَدَب؛ وهو الفُوفُ؛ يعني: البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث "٨٠ظ" فكأنه دم قد أثَّر في قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بهذه القراءة أيضًا.
[١] جزء من الحديث. وروايته في النهاية ٤/ ٥٦: وعسى أن يكون بعضكم.
[٢] أورد في الخصائص ١/ ٥-٣٣ ضروبًا من وصف الكلام بأوصافه المستحبة.
[٣] سورة يوسف: ١٦.
٤ لعدي بن زيد. وانظر: المنصف: ٢/ ١٠٤.
[٥] مغربان الشمس: حيث تغرب، ولقيته مغيربانها ومغيرباناتها: عند غروبها.
[٦] أصيلان: مصغر أصلان كرغفان، وأصلان: جمع أصيل، ويصغر أيضًا على أصيلان بالنون.
[٧] سورة يوسف: ١٨.