المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣٢٩
أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضًا تأولوا قول ذي الرمة:
حَراجيجُ ما تنفك إلا مُنَاخَةً ... على الْخَسف أو تَرْمي بها بلدًا فقرا١
أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة.
ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورُويت عن أبي عمرو: "ولا تَرْكُنُوا"[٢] بضم الكاف.
قال أبو الفتح: فيها لغتان: رَكِنَ يَرْكَنُ كعلم يعلم، ورَكَن يَرْكُنُ كقتل يقتل، وحُكي عنهم رَكَن يَرْكَن فَعَل يَفْعَل، وهذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة؛ كأن الذي يقول: ركَن بفتح الكاف سمع مضارع الذي يقول: ركِن، وهو يركَن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهي رَكَن يَرْكَن، وقد ذكرنا في كتابنا الخصائص بابًا في تركيب اللغات[٣].
وعليه كان أبو بكر يقول أيضًا في قولهم ضَفَن[٤] الرجل يَضْفِن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضَيْفَنَ[٥]، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فَيْعَلا؛ لأنه أكثر في الكلام[٦] من فَعْلَن؛ فصارت نون ضَيْفَن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك فقال: ضَفَن يَضْفِن، فضَفَن يَضْفِن على حقيقة الأمر إنما هو فَلَن يَفْلِن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التي هي ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر.
١ حراجيج: جمع حرجوج؛ وهي الناقة السمينة الطويلة على وجه الأرض. وفي ك: حراجيم، وهو تحريف، والخسف: الإذلال، وهو أيضًا المبيت على غير علف. انظر: الديوان: ١٧٣، والكتاب: ١/ ٤٢٨، والخزانة: ٤/ ٤٩.
[٢] سورة هود: ١١٣.
[٣] الخصائص: ١/ ٣٧٤ وما يليها.
[٤] ضفن اليهم: أتاهم يجلس إليهم.
[٥] الضيفن: مَن يجيء من الضيف متطفلًا.
[٦] في ك: كلامهم.