المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣١٦
أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فَضَا الشيء يقضو إذا اتسع، فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء؛ كقولهم: أَعرَق الرجل: إذا صار إلى العراق، وأعمن الرجل: إذا صار إلى عُمان، وأنجد: أتى نجدًا، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة مجاهد[١] وسعيد بن جبير[٢]: "إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ"[٣].
قال أبو الفتح: هذا -على قول[٤] قراءة الجماعة: {لَسِحْرٌ مُبِينٌ} - إشارة إلى الفعل الواقع هناك من قلب العصا حية ونحوه، وهذا -على من قرأ: "لَسَاحِر"- إشارة إلى موسى عليه السلام، كما أن هذا -من قول الله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} [٥]- إشارة إلى اليوم، وهذا -على قراءة[٦] من قرأ: "هَذَا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بالنصب- إشارة إلى الفعل الواقع في هذا اليوم.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "قَدْ أُجِيبَتْ دَعَوَاتُكُمَا"[٧].
قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} يراد فيها بالواحد معنى الكثرة؛ وساغ ذلك لأن المصدر جنس، وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها.
ومن ذلك قراءة أُبي بن كعب ومحمد بن السميفع[٨] ويزيد البربري: "فاليومَ نُنَحِّيك" بالحاء.
[١] هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي. أحد الأعلام من التابعين والأئمة المفسرين. قرأ على عبد الله بن السائب وعبد الله بن عباس بعضًا وعشرين ختمة، ويقال: ثلاثين عرضة. وأخذ عنه القراءة عرضًا عبد الله بن كثير وابن محيصن وحميد بن قيس وغيرهم. توفي سنة ١٠٣، وقيل غير ذلك. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٤١.
[٢] هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، الكوفي التابعي الجليل والإمام الكبير. عرض على عبد الله بن عباس، وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء والمنهال بن عمرو. قتله الحجاج بواسط شهيدًا سنة ٩٥، وقيل: سنة ٩٤. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٠٥.
[٣] سورة يونس: ٧٦.
[٤] كذا بالأصل.
[٥] سورة المرسلات: ٣٥.
[٦] هو أبو العباس المطوعي، كما في الإتحاف: ٢٦٦.
[٧] سورة يونس: ٨٩.
[٨] هو محمد بن عبد الرحمن بن السميفع -بفتح السين- أبو عبد الله اليماني، له اختيار في القراءة ينسب إليه شَذَّ فيه، قيل: إنه قرأ على نافع وطاوس بن كيسان عن ابن عباس. وقرأ عليه إسماعيل بن مسلم الملكي، وهو ضعيف. طبقات ابن الجزري: ٢/ ١٦١.